علي البدر.. قصص كالنقش على الحجر كاتبها يتعمد تجنب الحياد

سبت, 08/04/2018 - 11:00

بغداد ـ حمدي العطار:

 

قد يكون القاص هنا هو ناقدا لنصوصه لذلك تظهر لنا القصة (ناضجة) من الناحية الفنية ، ومتماسكة من حيث الاسلوب، وعميقة من اتجاه المضمون، “علي البدر” القاص والناقد يدعو القارئ الى الحوار ولا يفرض عليه الاصغاء فقط، ففي مقدمة مجموعته القصصية القصيرة (النقش على الحجر) يكتب”ها أنا أتحاور معك لنشترك سوية بالفرح والحزن، يد بيد،وأشعر أن دمك نقيا يجري في شراييني” أنها مجموعته الثانية الصادرة سنة 2017 مكتبة النهضة ودار ذكرى ، التي تقع في 119 صفحة من الحجم المتوسط وتضم 13 قصة قصيرة.

– يبدأ القاص بقصة تحمل عنوان المجموعة (النقش على الحجر) ومن الواضح سوف يخطر على بال المتلقي مفهوم (الصعوبة) لأن المثل يذهب الى هذا المعنى(التعلم في الكبر كالنقش على الحجر) لكن لرؤية علي البدر تفسير آخر لهذه العبارة التي تعطي مفهوم (التأثير) و(الخلود) فعندما يسترجع السارد ذكرياته مع اخيه “احمد” الذي يحثه على القراءة “أريدك أن تشعر بأن الحياة ليست لهوا فقط وإنما تفهم نفسك ” و”أريد أسمك منقوشا على الحجر لا على رمل ينزاح لأول موجة منسابة”وبعد اختفاء الاخ المفاجيء،يكون على السارد إن يعوض هذا الغياب ،فيسير على نفس الطريق ،لكن الرحلة تبدو غير مسلية، وهذا هو إيقاع القاص (الحزن النبيل) وعلى الهمس يعتمد وليس الصراخ تنساب مشاعر الكاتب الى المتلقي ،وبأنتقال خاطف للزمن نتلمس معاناتنا اليوم لا تشبه معاناة وحياة ذاك الزمن الذي على الرغم ما فيه من عيوب فيتم توصيفه (بالزمن الجميل) “آه… أيام زمان.. ما أجملها” حتى القطار القديم يتذكره الكبار بفرح وتنهدات عندما تتزاحم النسوة لبيع قيمر السدة واللوبياء مع خبز العرب اللذيذ عند وقوفه في الحلة لتناوله المسافرون مع الشاي الحار الذي تفوح منه رائحة الهيل”وهكذا يتصاعد الايقاع من الهمس والتأمل والذكريات الجميلة الى النقد والانفعال في الحوار مع الذات – وكما ذكرنا مع المتلقي- الذي لا يرغب فيه السارد ان يكون محايدا! لذا هو يقوده الى الوعي “الآن لم تعد الحرية التي كانت حلا لمشكلتنا .. ولكن هؤلاء الذين تاجروا بدماء الشهداء… أجل أصابعنا والحبر الذي تحنى بها هي التي جعلتهم يمسكون برقابنا، فقد توزعوا بين ذباح بأمر الأجنبي الذي يحميه ويوفر له الغطاء، وعميل يأتمر بأمره فقط ليقتل ويسرق ويهيمن”

– بعد التعرف على الاخوين الغائب والموجود،وعلى العهدين السابق والحالي،بدت القصة بحاجة الى الحدث،وليس هناك افضل من الحدث الذي اختاره القاص،وهي حكاية الوزير الفاسد حامل الجنسية المزدوجة الذي يجعله القاص تحت مسؤولية (البطل) الذي اصبح مدير في احد مراكز الشرطة، – اين مدير المركز؟ /-أنا تفضل .ماذا تريد؟/ القائد يريده/و..من أنت؟ / أنا مترجمه../قل له بأن يأتي.فأنا في عملي ولن اغادر موقعي

– في حوار يفهم منه انهم يريدون اطلاق سراح الوزير لأنه مواطن (امريكي) – إنه عراقي الآن ويجب أن يطبق القانون في حقه. وعلى الرغم من موقفه الصلب الرافض يتم اخراج الوزير اللص من السجن وهو يتباهى قائلا لأحد افراد الشرطة بعد ان يبصق بوجهه “قلت لكم بأنني سأخرج. قل لرئيسك بأنه لن يراني أبدا. ستمتلئ أرضكم بآكلي لحوم البشر”

 *غياب الحيادية في نص “زائر النهار”

مرة اخرى يتلاعب القاص علي البدر بالمصطلح الذي يرمز الى الزيارة الثقيلة لرجال الامن من اجل الاعتقال والمعروف في القاموس الحزبي لليسار ب (زائر الفجر) وهذه الزيارة كانت تعبر عن بعض الخجل من الناس فيتم اختيار وقت الفجر للاعتقال! اما اليوم بعد رفع الاحراج من تلك الاجهزة فليس هناك مانع ان يكون  الاعتقال في وضح النهار ومن هنا كان البدر يعطي عنوان لقصته ب (زائر النهار)

– علينا ان نؤكد ان القاص “علي البدر”لا يمكن توصيفه (كاتب) محايد بل هو (السارد) المتحكم بالادوات الابداعية ،يجهز المادة اولا ويبقى على علاقة مع المجتمع لأغناء هذه المادة لتكون ارضية خصبة لولادة قصة فنية تمثل النص، وهو في قصة “زائر النهار”  يستخدم تقنية مختلفة عن باقي القصص وهي (السخرية التناصية) ومن المعروف ان التناص يعني تضمين النص إقتباسات من نصوص أخرى معروفة وهي طريقة لتحفيز ذكاء المتلقي ليستحضر المقارنة بين اصل النص وتلك الاقتباسات!مثل فرويد- كارين هورني- جورج أورويل- ماركس – هيغل-غوركي – لينين

– السخرية تأتي من الشخصية الثانوية للسارد وهي (عباس) الذي يردد بشكل مستمر- في عهد صدام- لا تخف هيه موتة موتة ،،وبذلك فهو يجاهر بأنتقادات في ظل نظام يرى الانتقاد معارضة وخطورة يعاقب عليها بقسوة، ويسرد لنا “عباس” اساليب التعذيب التي فيها يكمن حس السخرية لدى القاص ،تهمة عباس كانت بقوله (ماكو بيض) والعقوبة في مديرية الامن من جنس الذنب ،فهناك في غرفة التعذيب وضعوا صندوق بيض “كل يوم نطعمك ما تتمكن عليه، لمدة يقررها السيد العام/ ومن قال بأنني أحب البيض لهذه الدرجة ؟/لن تأكله أيها الثرثار بل ستسبح به، وانهال عليه ضربا وشتما حيث دخل صاحبه وبدأ يكسر على رأسي البيض بيض بيضة/ اكلت نصف الصندوق في ليلة واحدة وبهذه الطريقة،وأخرجوني وما زالت رائحة البيض ملتصقة بشعري.لم يبق أي نوع من الصابون لم استعمله ابتداء من صابون الركي وأنواع الشامبو وداعيتك “ام محمد” فركت رأسي بطين خاوه وما راحت الريحة”

– بعد هذه الحادثة يطلب عباس من السارد ان يضربه بعكسه في الخاصرة عندما يبدأ بأنتقاد النظام! بعدها يتداخل النص في شخصية (الاخ الكبير) لجورج أورويل،وما يتعرض له السارد –الكاتب والاديب-  عبد المجيد من اعتقال بسبب  أبنه”قل يا شاطر ماذا يقول أبوك في البيت عندما يتحدث الاخ الكبير بالتلفاز أو عندما يعاد الحديث وتلغى نشرة الاخبار أو البرامج التي تحبها أنت؟ قل وسأرفع درجاتك الضعيفة باللغة الانكليزية والرياضيات” اجل هذا ما حدث للطفل مؤيد الذي رجع الى بيته ولم يجد أباه.

– قدرة القاص على اثارة الاسئلة لدى المتلقي من خلال الحوار الفني المحكم استخدمها علي البدر في هذا النص ، وعلى الرغم من فلسفة الحديث لكنه كان جزء مهم من القصة

– أتكون عصبيا وأنت أمامي؟ لا ينبغي لك هذا/ عندما ارسل لينين إلى مكسيم غوركي وأصبح عصبيا متوترا أمامه فأن لينين لم يقل لماذا أنت عصبي وإنما سكت واستمع إلى كل كلامه وكان متوترا من الداخل لكنه ابتسم أيضا/وها انا اسكت. اتقارنني بلينين؟/بالطبع لا/ألا زلت شيوعيا؟/لا .اعتاد الناس والحكام إطلاق هذا الاسم على المثقف لأنهم يربون رفاقهم على الثقافة

المجموعة تستحق القراءة لأنها تجعلك تملك مبررات مواجهة الاعداء وتبدو عاشقا للعراق حتى لو كانت حياتك عسيرة”سيأتي غيثهم ونحرث الأرض معا ونقطف الأثمار معا ونحيا معا وعندها سترقص الفراشات على أزهارنا ونشم عبيرها ونأكل التمر معا ونغني مع الزهور أغنية الأبدية…