ثروة الرئيس السابق ولد عبد العزيز لغم شديد الانفجار يهدد التناوب السلمي علي السلطة ...مقال

أحد, 12/29/2019 - 14:19

لا يزال الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز يشكل تهديدا على “الجمهورية” و على نُظُمها و قيّمها الديمقراطية، التي لا تزال مجرد مشروع مؤجل لكل الأنظمة المتعاقبة على الحكم في البلاد. و لا يزال الرجل المصدوم في المقربين منه، و المسكون جِبِلّياً بغريزة الانتقام، يتربص الدوائر للانقضاض على الرئيس الجديد، الذي تدفعنا “الفروق الشخصية بينه و سلفه” حسب تعبير فرانسوا هولاند، لأن نعلّق عليه أملاً كبيراً في إرساء دعائم حكم مختلف.

الرجل يتبجح بوفاحة طافحة بإلغاءه الدستور و بانقلابه على نظام منتخب، و يرى “الفروسية” في الإغارة بياتاً على الأنظمة المستتبة و تعطيل دساتيرها. و هو نهج لم يجد فيه غضاضة، حيث أن المجتمع الموريتاني التقليدي الذي هو آفة الديمقراطية و قيّم الحداثة، لم يعارض في تاريخه انقلاباً و إنما تعوّد الارتماء في أحضان القوي، و مبايعة المتسلط قهراً و غلبةً بالسمع و الطاعة العمياء في المنشط و المكره.. و لعله لا خير يرجى من مجتمع يذعن لسلطان وغد مثل الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، مزجى البضاعة في العلم و الحلم و الأخلاق، ظل ينهب ثروات بلاده، تماما كما تنهب بِغثان الطيور حقول الذرة. 

لقد كشف الأرعن بعد أن كشطت عنه الأيام إهاب الحكم عن نذالة لم أتصورها عنه أبداً، رغم أنني كنت أظنه جذيلها المُحكّك و عذيقها المُرجّب، الذي وقف به حمارها عند عقبتها الأخيرة. فخطابه لدى لجنة تسيير الحزب و ما تسرّب من محادثاته الشخصية مع بعض المقربين منه، و التي لم تسلم فيها حتى السيدة الأولى مريم بنت الداه من بذاءاته، و حديثه عن ثروته الطائلة، و استهزاءه بالشيوخ، و سؤاله عما إذا كانوا لا يزالون أحياءً، و تهديده المبطن من خلال تشبيه النظام القائم إن حقق في فساده بإقدام القُرَاد على الحجامة.. إنها أمورٌ  كثيرة كشفت عن صَغَار و رداءة نِجار.

لا أعرف مدى صدق الشائعات التي تقول إن ولد عبد العزيز أنشأ بعد انقلابه على ولد الطائع ميليشيا مسلحة من مقاتلي قبائل الطوارق، يعدّها ليومٍ تدور عليه فيها الدوائر، رغم أن مثل ذلك قد لا يستبعد على عاشق للسلطة مفتون ببريقها مثله.

المال في يد مستهتر متعطش للعودة لكرسيه الهزاز، يشبه مسدساً محشواً يقلبه صبيٌّ طائش في كفيه:

امبراطور المخدرات الكولومبي بابلوسكوبار، كان يربح من تجارته البيضاء 60 مليون دولار يومياً، فحاول أن يغلّف شره بغلالة خير، فبنى المدارس و المساكن لفقراء ميديلين، فخلع عليه البسطاء لقب روبن هود كولومبيا، و اشترى بماله مقعداً في مجلس الشيوخ، استقال منه حين اتهمه رئيس الحزب الحاكم الكولومبي بالإتجار بالمخدرات، ثم تحركت فيه النوازع الشريرة فترصده و قتله، و حين آنس من الدولة استعدادا لمحاربته أحرق نصف بوغوتا، فقتل مرشحاً للرئاسة وعد بتسليمه لأمريكا، و اغتال مدعيا عاماً و قضاة و موظفين عموميين، و قرابة سبعمائة شرطي، حتى رضحت الحكومة الكولومبية لشروطه المجحفة، فسلّم نفسه ليسجن في قلعة “لاكاتدرال” الفاخرة، التي بناها بنفسه، على أن يختار حراس سجنه، و يقضي فيها محكومية “قصيرة” ثم تسقط عنه جميع التهم و الجرائم، و لكن الدون بابلو بدأ يتردى إلى قاع نهايته التراجيدية البائسة يوم قرر قتل اثنين من حلفاءه في المنظمة الإجرامية “كارتل ميديلين”، التي استغلت الإعلام لإثبات أن سكوبار لا يزال يرتكب جرائمه من سجنه، مما أحرج حكومة بيليساريو، فقررت نقله للسجن التقليدي، فما كان منه إلا أن لاذ بالفرار، فانشق عنه حلفاءه السابقون، و تحالفوا في عصابتهم الجديدة “كارتل كالي” مع ماجدالينا ميديو” و “لوس بيبيس (Los Pepes)”، فكانت معرفتهم المحيطة بنقاط قوة و ضعف الرجل (مما لم تكن لتعرفه الحكومة الكولومبية) كفيلة بهزيمته، ليعود فقيرا (و هو من تربع لسبع سنوات على لقب “أغنى رجل في العالم”) مطارداً، وحيداً (حتى والده طلب منه أن يغادر مزرعته و يتركه يعيش بسلام).. و بعد أشهر من مطاردة لا هوادة فيها، مات الرجل برصاصة عاجلته و هو يحاول الهروب من فوق أسطح منازل ميديلين.

العبرة المستخلصة: جنون المال ينزع بصاحبه للبحث عن السلطة، و يركب من أجلها الصعب و الذلول، و عداوة الصديق الذي يعرف منك الظاهر و المضمر هي شفرة ذبحك. مما يعني أن ولد عبد العزيز كان غبياً في معادة صديق، و أن ولد الغزواني مخاطر بترك المال في يد مستهتر، متعطش للسلطة (و الحال أنه مالْ عام).

حكم علي عبد الله صالح اليمن زهاء 34 عاما، و أرسى دعائم حكم كلبتوقراطي (مصطلح يعني حكم اللصوص الذي يراكم الثروة و السلطة في أيدي القلة الحاكمة)  و لم يتورع، تماما مثل ولد عبد العزيز، عن التعامل مع عصابات الجرائم المنظمة، فجمع من حطام الدنيا و نشبها ثروة قدرتها الأمم المتحدة بـ 60 مليار دولار، و حين اندلعت ضده ثورة الشباب اليمني في 2011 سلّم السلطة بعد عام من الصبر على جمر الاحتجاجات الشعبية، و ذلك في إطار المبادرة الخليجية التي ضمنت له عدم المتابعة القانونية، فتم إقرار قانون الحصانة التي منحت له و لأركان نظامه في مجلس النواب اليمني و اعتباره قانونا سياديا لا يقبل الطعن. غير أن الرجل الذي احتفظ برئاسة حزب المؤتمر الشعبي العام (تماما كما هو حلم ولد عبد العزيز) ظل يقود ميليشيا عسكرية، يصرف عليها من أمواله التي نهبها، فحالف الحوثيين ثم خالفهم، لينتهي به تشبثه المرضي بالسلطة مقتولا شرّ قِتلة، و ملقىً في مزبلة التاريخ.

العبرة المستخلصة: أن أخطر ما يمكنه أن يزعزع أمن و استقرار بلاد هو المال في يد متهور، يركب دماغَه الناشف عفريتُ السلطة و النفوذ.

إن عدم متابعة ولد عبد العزيز و استرجاع أموال الشعب الموريتاني التي نهبها، خطر يهدد موريتانيا في أمنها و استقرارها، و يتربص بمستقبل ديمقراطيتها الحَرون، التي ما زادت في عهد العسكر إلا ما نقصت. فينبغي أن تكون محاكمة الرجل و تجريده مما استولى عليه من الممتلكات العمومية مطلبا شعبياً، تندى به أصوات السياسيين و الإعلاميين، و تجأر به المظاهرات و الاحتجاجات الشعبية، و تضغط من أجله الأحزاب و منظمات المجتمع المدني و الشخصيات الوطنية.. و ينبغي أن يدرك ولد الغزواني أن استئصال شأفة الأرعن تستدعي سرعة و حزماً، فمن لم يعاجل أفعى الكوبرا ببتر رأسها باغتته منها لدغة قاتلة. وقانا الله شرها.

حنفي ولد الدهاه