
في عالم تتسارع فيه وتيرة الصراعات وتتشابك فيه مصالح الدول وتضيق فيه فسحة الحياد، لم يعد تعزيز منظومتنا الدفاعية مجرد مطلب أمني، بل غدا ضرورة وجودية تفرضها تحولات الواقع، ويمليها واجب حماية السيادة وحفظ الكرامة الوطنية.
فلا أمن بلا قوة، ولا سيادة بلا استعداد، ولا استقرار بلا رادع يقي الوطن من طوارق الفتن وأهوال الابتزاز الجيوسياسي. فالعبرة اليوم لم تعد في عدد الألوية ولا في طول الطوابير العسكرية، بل في نوعية السلاح، ودقة المعلومة، وتفوق التكنولوجيا.
إن ميزان القوى الحديث يُدار عبر الأقمار الاصطناعية، ويُحسم في غرف التحكم، ويُصاغ في المختبرات قبل أن يُحسم في الميدان.
ومن أبلغ الشواهد على هذا التحول الجذري في مفهوم الردع، ما نشهده من حرب غير تقليدية بين الكيان الصهيوني وجمهورية إيران الإسلامية، حيث اختفت المسافات، وسقطت الحدود، وتحولت الحرب إلى مواجهة تكنولوجية عابرة للقارات، تعتمد على الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي. لقد تغير وجه المعركة، وأصبح من لا يواكب هذا التحول مجرد هدف، ولو لم يُعلن خصومه.
إن بلادنا، وهي تسعى لترسيخ الأمن الداخلي وتعزيز مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي، مطالبة اليوم بوضع بناء قوة عسكرية رادعة على رأس أولوياتها الاستراتيجية، لا بدافع الهيمنة، وإنما لحماية مكتسباتها وتحصين كيانها الوطني من تقلبات الجوار وضعف التوازنات.
ولا يحتاج هذا المسار إلى إعادة اختراع العجلة، فالحمد لله، كل المقومات والضمانات متوفرة: قيادة حكيمة، ورؤية استراتيجية ناضجة، وتجربة ميدانية راسخة، تتمثل كلها في شخص فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الرجل الذي خبر شؤون الدفاع من الميدان، وفهم طبيعة التحديات من داخل المؤسسة، ويؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من هيبتها، ولا هيبة بلا ردع يحترمه العدو قبل الصديق.
ولذا، فإن الواجب الوطني اليوم، لا يقتصر على وضع الاستراتيجيات، بل على تكاتف الجهود من جميع مكونات الدولة والمجتمع، لرسم هذا الهدف المصيري، واعتماده كخيار وطني جامع، يحظى بالإجماع، وتُرصد له الميزانيات، وتُبنى حوله الإرادات والمؤسسات.
فلنجعل من هذا التوجه مشروع أمة، لا مجرد رؤية قطاعية.
فالأمن لا يُمنح، بل يُصنع.
والسلام لا يُستجدى، بل يُنتزع من موقع القوة، والضعيف في منطق التاريخ دائمًا ضحية، وإن سلِم اليوم، فلا ضمان للغد.
من صفحة الأستاذ والكاتب بكار بي بكار




