
الرئيسية
آخر
لم تكن تظاهرة العزاء التي أقامتها أسرة أهل مولاي في الربينة بواد الناقة في رحيل الأمير أحمد ولد مولاي مجرد واجب اجتماعي أُدي، ولا حدثا عابرا في روزنامة الأحزان، بل كانت ـ في معناها الأعمق ـ لحظة وطنية أعادت التذكير بقيم كادت أن تختفي في زحمة اليومي والسياسي.
لقد عكست هذه التعزية، بجلاء لافت، المكانة الرمزية لأسرة لم تعرف يوما بنفوذ المال ولا بالسلطة الحكومية، وإنما عرفت ببقية أخلاق ومروءة ظلت صامدة أمام تحولات الزمن. وهو ما عبرت عنه قصائد المعزين وخطاباتهم، فصحى كانت أو عامية، إذ التقت جميعها عند معنى واحد: الوفاء للعهد، والتمسك بالمروءة، وصيانة القيم التي ورثها الراحل عن أسلافه وحافظ عليها حتى آخر أيامه.
ورغم أن بلادنا عرفت في السابق تظاهرات عزاء عديدة ومتنوعة، فإن هذه التعزية تميزت بعدة عناصر جعلتها ظاهرة جديرة بالتوقف عندها:
اختلاف مشارب المعزين وتنوع خلفياتهم الاجتماعية والثقافية.
تنوع خطاب التعزية شكلا ومضمونا، بين شعر ونثر وشهادات صادقة.
الحجم والكثافة العددية التي عكست عمق الحضور الرمزي للراحل.
رزانة وتأني مستقبلي التعازي، رغم التعب والمشقة وضغط اللحظة.
كما حظيت هذه المناسبة بعدد وافر من المراثي والخطابات التي تمحورت حول مناقب المرحوم ومآثره، وفي مقدمتها محافظته على العهد، وتمسكه بخصال الشهامة والكرامة، وهي خصال تمثل ممارسة يومية مشهودة.
ولا يفوتني في هذا السياق إلا أن أنوه بحسن التنظيم وكرم وفادة المعزين، وبالحضور الذهني اللافت لأفراد هذه العائلة، الذين خاطبوا كل وفد بما يليق به ويعبر عن خصوصيته. وأخص بالذكر، حسن الذكر،أخوي: الأمير أحمد سالم ولد مولاي، شقيق المرحوم، والأمير محمد ولد أحمد ولد مولاي، نجل الفقيد، لما أظهراه من اتزان وحكمة في لحظة إنسانية بالغة الصعوبة.
لقد كانت هذه التعزية، في محصلتها، أكثر من وداع رجل؛ كانت استعادة لمعنى اجتماعي نبيل، وتأكيدا على أن هذا الوطن لا يزال يحتفظ، في عمقه، ببذور الكرامة والمروءة، مهما اشتدت عليه الرياح.




