مجدي طنطاوي يدق ناقوس الخطر قراءة في مأساة الأم وأطفالها الستة في ضوء كتابى علي محمد الشرفاء “الطلاق يهدد أمن المجتمع” و“الزكاة صدقة وقرض حسن”

ثلاثاء, 03/24/2026 - 09:54

 

لم تكن واقعة رحيل الأم وأبنائها الستة مجرد حادثة إنسانية مؤلمة تُطوى صفحاتها مع الأيام
بل كانت تجسيدا حيا لما حذر منه المفكر علي محمد الشرفاء حين أكد أن انهيار الأسرة لا يحدث فجأة بل هو نتيجة مسار طويل من الخلل في الفهم والتطبيق لمنهج الله
فالأم التى قتلت أبنائها ونفسها قهرا  رحلوا ولم يسقطوا دفعة واحدة بل سقطوا تدريجيا بين طلاق بلا مسؤولية لأب مجرم وفقر بلا علاج ودين غاب عنه الفهم الصحيح
إن الربط بين هذه المأساة ورؤية الكاتب ليس ترفا فكريا بل ضرورة لفهم الجريمة في سياقها الحقيقي
ففي كتابه “الطلاق يهدد أمن المجتمع” يوضح علي محمد الشرفاء أن الطلاق إذا تحول إلى مجرد إجراء قانوني يُنهي العلاقة دون التزام أخلاقي وإنساني وفقا لضوابط القرآن فإنه لا يُنهي المشكلة بل يبدأ سلسلة من الكوارث الصامتة
وهذا بالضبط ما حدث في قصة هذه الاسرة البائسة حيث غاب الأب بعد الطلاق وترك خلفه فراغا لم يكن فراغا عاطفيا فقط بل كان فراغا في النفقة والرعاية والمسؤولية
يقول الله تعالى
“لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا”
سورة الطلاق آية 7
ويقول
“وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ”
لكن حين تُغيب هذه القيم يتحول الطلاق من حل إلى جريمة ممتدة آثارها عبر الزمن
فالكاتب حين حذر من خطر الطلاق لم يكن يتحدث عن تفكك أسري نظري بل عن نهايات مأساوية كتلك التي رأيناها حيث تتحول البيوت إلى بيئات طاردة للحياة
ثم ننتقل إلى البعد الثاني في المأساة وهو الفقر الذي لم يكن قدرا مفاجئا بل نتيجة مباشرة لتعطيل منظومة التكافل التي أكد عليها الكاتب في كتابه “الزكاة صدقة وقرض حسن”
فالزكاة في رؤية علي محمد الشرفاء ليست عملا تطوعيا بل نظام إنقاذ إلهي لو طُبق لما تُركت أم مريضة دون علاج ولا أبناء دون غذاء فكان القتل والانتحار هو السبيل الوحيد امامهم
يقول الله تعالى
“وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”
ويقول
“خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ”
لكن حين تتحول الزكاة إلى شعيرة مهملة أو شكلية يصبح الفقر وحشا يلتهم أضعف حلقات المجتمع
وهنا يظهر بوضوح الترابط بين تحذيرات الكاتب وواقع المأساة
فالأم لم تمت فقط لأنها مريضة بل لأنها تُركت دون نظام يحميها
والأبناء لم يموتوا فقط لأنهم فقراء بل لأن المجتمع كله تخلى عن دوره
وهذا ما يؤكده الكاتب حين يربط بين غياب العدالة الاجتماعية وظهور الانهيارات الإنسانية
أما البعد الأخطر في القصة فهو الانحراف في الفهم الديني حيث تم اختيار توقيت يحمل قدسية عظيمة هو شهر رمضان ظنا أنه طريق للنجاة من جريمة القتل
وهذا يكشف ما حذر منه علي محمد الشرفاء مرارا من أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس ضعف التدين بل فساد الفهم
يقول الله تعالى
“وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”
ويقول
“وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”
لكن حين يُفصل الناس عن كتاب الله فهما ويُتركون لثقافة موروثة مشوهة يصبح من الممكن أن تُرتكب الجريمة باسم الطاعة
وهنا يكتمل المشهد الذي رسمه الكاتب في مشروعه الفكري
طلاق بلا مسؤولية يؤدي إلى التفكك
تفكك يؤدي إلى الفقر
فقر يؤدي إلى اليأس
ويأس مع جهل ديني يؤدي إلى الكارثة
إن مأساة الام وأبنائها لم تكن حادثا منفصلا بل حلقة في سلسلة حذر منها الكاتب بوضوح
ولهذا فإن تحميل المسؤولية لطرف واحد هو تبسيط مخل للحقيقة
فالأب مسؤول لأنه تخلى
لكن المجتمع مسؤول لأنه صمت
والأغنياء مسؤولون لأنهم لم يؤدوا حق الله
والخطاب الديني مسؤول لأنه لم يصحح المفاهيم
يقول الله تعالى
“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى”
لكن ما حدث كان غيابا لهذا التعاون حتى تحولت المأساة إلى نتيجة حتمية
إن رؤية علي محمد الشرفاء تقدم حلا واضحا لا يقوم على العاطفة بل على إعادة بناء المنظومة من جذورها
عدل في الطلاق يضمن الحقوق
تفعيل حقيقي للزكاة يعيد التوازن
تصحيح للفهم الديني يعيد الإنسان إلى جوهر الرحمة
يقول الله تعالى
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”
وفي ضوء ذلك فإن جنازة الام واولادها ليست نهاية قصة بل بداية سؤال كبير
هل سنفهم الرسالة ونصحح المسار
أم سننتظر مأساة جديدة نكرر فيها نفس الدهشة ونمارس نفس الصمت
الجواب ليس في الكلمات
بل في قدرتنا على تحويل التحذيرات التي أطلقها الكاتب إلى واقع ينقذ ما تبقى قبل أن يتحول الصمت مرة أخرى إلى شريك في جريمة جديدة