
لقد جاء خطاب السيد والي الحوض الغربي موجّهًا لسكان القرى الحدودية في ظرف حساس، فكان خطابًا متزنًا يجمع بين التعقل و الحكمة، و يغلب عليه منطق الطمأنة و الدعوة إلى السلم، مع التأكيد على أهمية التعايش و الإستقرار في منطقة تزداد فيها التحديات الأمنية و تتعاظم فيها الشائعات و التأويلات ؛
و لم يكن الهدف من الخطاب سوى وضع ما قامت به بعض الدوريات العسكرية المالية في سياقه الطبيعي، دون تهويل أو تهوين، مع التنبيه إلى خطورة تحميل تلك التصرفات ما لا تحتمل أو تفسيرها خارج إطارها، خاصة و أن مثل هذه التحركات – مهما كان توصيفها – تترك أثرًا نفسيًا بالغًا لدى المواطنين، و قد تُشعرهم بالخوف و عدم اليقين، بل وتُسهم أحيانًا في إضعاف الثقة في قدرة الدولة على حمايتهم، و هو ما يدركه الوالي جيدًا بحكم قربه من واقع المنطقة و معرفته الدقيقة بخصوصياتها ؛
و من هذا المنطلق، جاء حديثه عن جاهزية الدولة و يقظة القوات المسلحة ليس في سياق التصعيد أو التهديد، بل في إطار تعزيز الثقة و
الطمأنينة في نفوس المواطنين، و التأكيد على أن الدولة حاضرة و قادرة على حماية حدودها و مواطنيها في كل الظروف. و قد استخدم الوالي في ذلك أسلوبًا بلاغيًا يحمل شيئًا من المبالغة المقصودة التي تخدم غرض التطمين و تبديد المخاوف، خاصة لدى سكان عايشوا خلال فترات سابقة توترات على طول الشريط الحدودي مع الجارة مالي.
و نحن، سكان هذه المناطق، أدرى بخصوصية العلاقة الإجتماعية و الثقافية مع إخوتنا في الجانب الآخر، كما ندرك حجم التأثير الذي تتركه مثل هذه الحوادث، مهما كانت محدودة، على المزاج العام للسكان، وهو ما يجعل من خطاب الطمأنة ضرورة لا خيارًا.
غير أن بعض الأصوات، و للأسف، آثرت أن تتجاهل جوهر الخطاب و مقاصده، فاتجهت إلى اجتزاء عبارة وردت في سياق عرضي، وتضخيمها خارج معناها، و اتخاذها ذريعة لإثارة البلبلة و التحريض، في محاولة مكشوفة لضرب الإستقرار و زرع بذور الفتنة و التشكيك في مؤسسات الدولة ؛
إن مثل هذه القراءات الإنتقائية لا تخدم إلا أجندات ضيقة، و تتجاهل السياق العام للخطاب الذي كان واضحًا في دعوته إلى التهدئة، و تمسكه بثوابت الدولة الموريتانية القائمة على حسن الجوار و احترام الإلتزامات مع جمهورية مالي الشقيقة، دون التفريط في أمن المواطنين أو سيادة الوطن.
و عليه، فإن خطاب الوالي جاء في محله، معبرًا عن رؤية متوازنة تجمع بين الحزم و الطمأنة، و بين الواقعية و المسؤولية، واضعًا مصلحة المواطن و أمْنه في صدارة الأولويات، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى خطاب يوحّد و لا يفرّق، و يطمئن و لا يرهب، و يبني الثقة بدل أن يهزها .
حفظ الله موريتانيا، و وفقها لمزيد من التقدم و الإستقرار.
النائب السابق عن مقاطعة لعيون :
سيدي عالي ولد سيد الأمين




