د. معتز صلاح الدين يكتب .. النجاح غير المسبوق لمؤسسة رسالة السلام في إندونيسيا: أسبابه والدروس المستفادة

أربعاء, 04/29/2026 - 18:01

 

-مشهد لم يكن في الحسبان
في جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية في مدينة مالانج الاندونيسية
، وسط حضور أكاديمي لافت من وكلاء الجامعة وعمداء الكليات وأعضاء هيئة التدريس ووفد مؤسسة رسالة السلام، ارتفع صوت موحد من بين صفوف الطلاب الإندونيسيين: "كلنا أصبحنا أعضاء في مؤسسة رسالة السلام العالمية." لم يكن ذلك شعاراً مُعدا مسبقاً، ولا هتافاً موجهاً، بل كان انفجاراً عفوياً لمشاعر جيل يتعطش لخطاب إسلامي يأخذ بيده إلى رحاب الإنسانية، لا إلى دهاليز الفرقة والخوف.

وقفت أمام هذا المشهد طويلاً. فنحن الذين آمنا بمشروع الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي وهو مشروع صادق ومخلص مستمد من القرآن الكريم، وتشرفنا أننا عملنا فى ظل مدرسته الفكرية آمنا بتلك المدرسة منذ سنوات وكنا نعلم أن الفكرة راسخة، لكن أن تتحول خلال أيام إلى موجة شعبية في أكبر دولة إسلامية بالعالم من حيث عدد السكان، فذلك ما يستوقف الباحث ويلزمه بالتأمل خاصة أنها بدأت تترجم على الأرض من خلال مراكز تعليمية 

فقد وقع وفد مؤسسة رسالة السلام مذكرة تفاهم مع جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية، وهي من أكبر الجامعات وأعرقها في إندونيسيا، بما يعزز الحضور الأكاديمي المؤسسي للفكر الوسطي المستنير. وقد وافقت رئيسة الجامعة على تخصيص مقر مؤقت داخل الحرم الجامعي لإنشاء مركز الشرفاء الحمادي للدراسات القرآنية، في خطوة تعكس انتقالاً مباشراً من الاتفاقيات إلى التنفيذ على الأرض 
وأعلن وفد المؤسسة، برئاسة الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي المدير العام للمؤسسة، عن الافتتاح الرسمي لمركز الشرفاء الحمادي للدراسات القرآنية والعربية داخل حرم الجامعة، ليجسد هذا المشروع رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي القائمة على العودة إلى القرآن الكريم، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والسلام والتعارف بين الشعوب.  
وفي جامعة جاكرتا، أعلن مجدى  طنطاوي رئيس وفد مؤسسة رسالة السلام عن إطلاق جائزة تحمل اسم المفكر علي الشرفاء الحمادي لطلاب الجامعة، في إطار حرص المؤسسة على بناء شراكات فاعلة مع المؤسسات التعليمية الإندونيسية.  
وقد وصفت مؤسسة الجامعة الإسبانية العربية هذا الإنجاز بأن نجاح الزيارة غير مسبوق، وأن العالم الغربي يراقب هذا النوع من النجاحات النادرة.
 
 *لماذا نجحت رسالة السلام في إندونيسيا؟* 

الإجابة عن هذا السؤال تستلزم الفصل بين عاملين متشابكين: عمق الفكرة، وصواب الأداء.
أولاً: عمق الفكرة المؤسسية 

انطلقت المؤسسة حاملة أفكار مؤسسها المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي القائمة على أن القرآن الكريم ليس مصدر تفرقة بل مصدر وحدة إنسانية، وأن الإسلام الحقيقي في جوهره رحمة للعالمين لا سيف على الآخرين.   في بلد كإندونيسيا يعاني المجتمع فيه من بعض  أفكار  التطرف التي تزحف من الداخل والخارج، لم يجد الشباب الإندونيسي أمامه خطاباً عربياً يصل إليه بهذه النقاء والوضوح، فكان الاستقبال بحجم الفراغ الذي جاء يملأه.

ثانياً: التراكم المؤسسي على مدى سنوات
لا يمكن فهم ما جرى في إندونيسيا بمعزل عن سنوات طويلة من البناء الفكري الصبور...من المفكر العربى الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي الذى  لم يُطلق شعارات، بل أسس رؤية متكاملة، ووضع مؤلفات ضخها في الأوساط الثقافية والأكاديمية العربية والدولية، فكان التوافق على إنشاء مركز متخصص يحمل اسمه تعبيراً عن تقدير دولي متزايد لإسهاماته، خاصة في مجال تجديد الخطاب القرآني وتعزيز مفاهيم السلام والاعتدال.  
ثالثاً: الثقل  الأكاديمي والإعلامي  للوفد
يضم وفد مؤسسة رسالة السلام عدداً من الشخصيات الأكاديمية والإعلامية البارزة، على رأسهم الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي مدير عام مؤسسة رسالة السلام، والدكتور عبد الراضي رضوان نائب رئيس مجلس الأمناء وعميد كلية دار العلوم الأسبق، والدكتور رضا عبد السلام مستشار المؤسسة ومحافظ الشرقية الأسبق وعضو مجلس النواب والكاتب الصحفى خالد العوامى نائب رئيس مجلس الأمناء ومدير تحرير اخبار اليوم كما يضم الوفد الدكتور ابو الفضل الاسناوي مدير مركز رع للدراسات وعضو المؤسسة والباحث والكاتب محمد الشنتناوى عضو مجلس أمناء المؤسسة والدكتور تامر سعد خضر مسؤول مؤسسة رسالة السلام فى شرق آسيا 
هذا التركيب المتوازن بين الأكاديمي والإعلامي والبرلمانى أعطى الوفد قدرة على التواصل مع مختلف الفئات المؤسسية في آنٍ واحد.
رابعاً: احترام الخصوصية الثقافية
أكد مجدي طنطاوي أن رسالة المؤسسة تنطلق من مبدأ الانفتاح على مختلف ثقافات ولغات العالم، مع الحفاظ على مكانة اللغة العربية، واحترام لغة وثقافة البلد المضيف إندونيسيا، بما يعزز جسور التواصل الحضاري ويعمق التفاهم بين الشعوب.   هذا التواضع الثقافي كان عاملاً محورياً في كسر الحواجز النفسية مع المجتمع الإندونيسي.
خامساً: التحول من الفكرة إلى المؤسسة
ترى المراكز الدولية الراصدة لهذا الحدث أن ما تحقق يمثل نقلة نوعية من الطرح الفكري إلى البناء المؤسسي، بما يؤسس لمنظومة علمية وثقافية قادرة على التأثير في الوعي الديني عالمياً، لا سيما في دولة بحجم إندونيسيا التي تعد الأكبر من حيث عدد السكان المسلمين.  

 *الدروس المستفادة* 

ما جرى في إندونيسيا ليس مجرد نجاح مؤسسي يُحتفى به مرة واحدة ثم يُطوى، بل هو نموذج يستحق التأمل والتعلم، خاصة في مرحلة تعاني فيها الدبلوماسية الثقافية العربية من شح حاد في الأفكار الجامعة.
خاصة أنه سيكون هناك جهد مشترك على أرض الواقع 

الدرس الأول: القوة الناعمة تحتاج فكرة  فما تحقق يمثل نموذجاً ناجحاً لما يمكن أن تقدمه القوة الناعمة العربية حين تستند إلى فكر مستنير ورؤية إنسانية جامعة مرجعيته القرآن ، بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية الضيقة.  

الدرس الثاني: الشباب هو الرهان الحقيقي... نجح الوفد في صياغة لغة حوار مشتركة مع الأوساط الطلابية، مما جعل من قيم المؤسسة مرجعية ملهمة لهم. والاستقبال الواسع عكس تعطش المجتمع الإندونيسي لخطاب يتسم بالوسطية والاعتدال.   الشباب ليسوا مستقبلين سلبيين للرسائل، بل يتحولون حين تصلهم رسالة صادقة إلى سفراء فاعلين يحملونها بأنفسهم.
الدرس الثالث: المؤسسية ضمانة الاستمرار. نجاح الزيارة كان بالغاً فى ظل عمل مؤسسى. ، لكن الاختبار الحقيقي هو ما بعدها. الأمانة التي وُضعت على كاهل القائمين على مؤسسة رسالة السلام تقتضي أن يُحسنوا ترجمة هذا الزخم المؤسسي إلى مناهج علمية راسخة وبرامج تعليمية مؤثرة، وأن يحرصوا على ألا تبتلع البيروقراطية المؤسسية روح الفكرة التي انطلقت حرة نقية من القرآن الكريم ومن وجدان مفكر عربي أصيل.  
اخيرا : حين يصنع المفكر التاريخ
لا أكتب هذه الكلمات من بُعد مراقب محايد، بل من موقع المشارك في هذا المشروع الفكرى العملاق  والمسؤول عن مكتب القاهرة ... وما يجعلني أكتب بهذا الحماس هو أن ما جرى في إندونيسيا كان له صوت مختلف عن كل ما عهدناه من نشاط مؤسسي عربي في الخارج. صوت لم يقل "نحن نعطيكم"، بل قال "نحن نتعرف إليكم."
الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لم يذهب إلى إندونيسيا بجيش، ولا بثروة، وإنما ذهب بفكرة. وحين تكون الفكرة نظيفة ومصدرها القرآن الكريم بمفهومه الإنساني الجامع، فإنها لا تحتاج إلى دعاية، لأن الناس في كل مكان يعرفونها حين يسمعونها، كأنهم كانوا ينتظرونها.
هذا ما يسمى في علم التاريخ: لحظة الرجل المناسب في الزمن المناسب.