
تشكل الرسالة المفتوحة التي وجهها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى رئيس الجمهورية، وثيقة سياسية بالغة الأهمية، تتجاوز خطورتها بكثير مجرد الدفاع الشخصي لمتقاض مدان قضائيا.
فمن خلال مضمونها، والاتهامات الواردة فيها، وما تتضمنه من كشف لمعطيات، تثير هذه الرسالة عدة تساؤلات جوهرية: تتعلق بالعلاقة بين السلطة والقضاء، وبالطبيعة الحقيقية للنظام السياسي الموريتاني خلال العقود الأخيرة، وبمسؤولية الحكام تجاه المال العام، وأخيرًا بمصداقية الدولة نفسها.
ويعرض الرئيس السابق دفاعًا يقوم على فكرة مركزية مفادها أنه لم يختلس أموالًا عمومية (بعشرات المليارات)، وأن إدانته كانت نتيجة توظيف سياسي للقضاء. وحتى هذه المرحلة، فإنه يمارس حقًا مشروعًا تمامًا، وهو حق انتقاد حكم قضائي والتنديد بما يعتبره ظلمًا.
غير أن الدلالة الحقيقية لنصه تكمن في موضع آخر، ومن الضروري إبراز النقاط الأساسية في دفاع يبدو، من جميع النواحي، غير مألوف بالنظر إلى الوقائع والقانون.
أولًا: دفاع يتحول إلى لائحة اتهام ضد النظام الذي كان هو نفسه يرعاه ويجسده
تكمن المفارقة الكبرى في هذه الرسالة في أن الرئيس السابق يصف اليوم القضاء بأنه تعسفي، وخاضع للتلاعب، ومسلوب الإرادة، في حين أن هذا القضاء نفسه ظل يعمل لأكثر من عشر سنوات ليس فقط تحت سلطته، بل تحت هيمنته المباشرة كذلك. ولا أحد ينسى الواقعة المؤسفة المتعلقة بالمحكمة العليا، ومنع رئيسها أثناء مزاولته لمهامه بالقوة من دخول مكتبه، ثم عزله بإرادة شخصية من رئيس الجمهورية دون أي إجراءات قانونية تُذكر.
وعندما يتحدث السيد ولد عبد العزيز عن: - نيابة عامة مسخرة؛ - ومحاكم خاضعة؛ - وقرارات قضائية تمليها السلطة؛ - ومصادرات تعسفية؛ - وشبكات نفوذ سياسية ومالية، فإنه يصف ضمنيًا الآليات العميقة لنظام سياسي وقضائي لم يكن مجرد فاعل مركزي فيه، بل كان كذلك مهندسه الرئيسي والمستفيد الأكبر منه لأكثر من عقد كامل.
وإذا كان قضاء بلادنا مريضًا إلى هذا الحد كما يدعي اليوم، فإنه ينبغي أن يكون آخر من يستند إليه كخط دفاع.
ويكشف هذا التناقض بوضوح حقيقة موقف الرئيس السابق من العدالة التي يستحضرها اليوم، كما يكشف الرهانات “السياسية” الفعلية لهذه القضية المؤسفة.
ثانيًا: محاولة تحريف قرار الإدانة والترويج لوهم “البراءة الكاملة”: وهو ما تتجاهله الرسالة
من أكثر الأساليب إثارة للدهشة في الرسالة المفتوحة تقديم إسقاط أو استبعاد بعض التهم باعتباره دليلًا على براءة عامة ومطلقة. وهذا الطرح مضلل من الناحية القانونية، لأنه يتظاهر بتجاهل جوهر النقاش الذي شكّل أساس القضية منذ بدايتها، والمتعلق بالمادة 93 من الدستور.
فمنذ المحكمة الابتدائية وصولًا إلى المحكمة العليا — وحتى أمام المجلس الدستوري — تمسكت هيئة دفاع الرئيس السابق بأطروحة واحدة مفادها أن الوقائع المنسوبة إليه تدخل في إطار ممارسة الوظيفة الرئاسية، وبالتالي لا يمكن محاكمته بشأنها إلا وفق المادة 93 من الدستور، أي أمام محكمة العدل السامية.
وبعبارة أخرى، فإن استراتيجية الدفاع لم تكن تقوم أساسًا على نفي الوقائع، بل على الدفع بعدم اختصاص المحاكم العادية لأن الأفعال المنسوبة مرتبطة بممارسة السلطة الرئاسية. وهذا هو جوهر الملف الحقيقي.
غير أن الجرائم التي يستشهد بها الرئيس السابق اليوم كدليل على “براءته”، مثل:
- إستغلال النفوذ؛
- إساءة استعمال السلطة؛
- منح امتيازات غير مبررة؛
- التدخل في عمليات تجارية مرتبطة بالوظيفة؛
- وبعض الأفعال التي يمكن تكييفها كتحويل للسلطة عن غاياتها؛
تفترض بطبيعتها ارتباطًا مباشرًا بممارسة السلطة الرئاسية، وبالتالي، فإن نظر المحاكم العادية فيها كان يعني دخولها ضمن نطاق المادة 93، وهو ما كانت هيئة الدفاع نفسها تطالب به بإلحاح.
ومن هنا تظهر المفارقة الكاملة: فالتهم التي تُرفع اليوم كدليل على البراءة قد استُبعدت أساسًا لأنها ترتبط بإشكالية دستورية، تتعلق بالاختصاص القضائي، لا لأن المحاكم أكدت الانعدام المطلق للوقائع المادية المثارة.
وفي الواقع، قامت المحاكم العليا تدريجيًا بإرساء تمييز جوهري بين:
1- الجرائم المرتبطة جوهريًا بممارسة السلطة الرئاسية، والتي قد تدخل ضمن نطاق المادة 93؛ و
2- الجرائم الاقتصادية المستقلة التي لا تستلزم أي ارتباط قانوني بممارسة الوظيفة الرئاسية.
وهذا هو الحال تحديدًا بالنسبة لـ:
- الإثراء غير المشروع؛
- وغسل الأموال.
فهاتان الجريمتان تتمتعان باستقلال قانوني خاص، إذ لا تفترضان بالضرورة صدور عمل رئاسي، أو قرار حكومي، أو استعمال مباشر للصلاحيات الدستورية لرئيس الدولة، بل إنهما تتعلقان أساسًا بمصدر الأموال، وتبريرها، وحركتها، واحتمال إخفائها.
ولهذا اعتبرت المحاكم العادية أنه يمكن متابعتهما بمعزل عن الآلية الحمائية التي تقررها المادة 93.
كما يفسر هذا التمييز محاولة الدفاع المتأخرة اللجوء إلى المجلس الدستوري بهدف إبطال قانون مكافحة الفساد بدعوى مخالفته للمادة 93.
غير أن المفارقة الأخلاقية في هذه الخطوة واضحة: فالقانون المطعون فيه هو نفسه القانون الذي تم اعتماده بشكل صاخب في عهد محمد ولد عبد العزيز!
ومهما يكن، فقد رفض المجلس الدستوري هذا الدفع، وأكد دستورية ْقانون مكافحة الفساد، ومطابقته للاتفاقية الدولية.
وعليه، فإن جوهر النزاع — خلافًا للرواية السياسية المطروحة اليوم — لم يكن يتعلق فقط بالوقائع المادية المنسوبة، بل كان يتعلق أساسًا بمسألة دستورية وجنائية تتمثل في: ما هي الأفعال التي تندرج ضمن المسؤولية السياسية الاستثنائية لرئيس الجمهورية وفق المادة 93، وما هي الأفعال التي تخضع للقانون الجنائي العادي المطبق على الجميع، بما في ذلك رؤساء الدول السابقون؟
وهذا هو التمييز الجوهري الذي تحاول الرسالة المفتوحة اليوم طمسه لصالح عرض مبسط تظن أنه أكثر فائدة سياسيًا... لكنه يظل هشًا لأنه غير صحيح.
ثالثًا: أطروحة دفاع تنخرها تناقضاتها الذاتية
تحاول الرسالة المفتوحة الآن الإيحاء بأن الجزء الأكبر من ثروة الرئيس السابق تحقق مباشرة بعد مغادرته السلطة، وأن مصدره مبالغ يُزعم أن رئيس الجمهورية الحالي سلّمها له باعتبارها بقايا تمويلات الحملة الانتخابية. إنها، بحسب هذا التصوير، ثروة تراكمت بسرعة خارقة: عشرات المليارات في أقل من شهر، بين إعلان نتائج انتخاب الرئيس الحالي وأول مغادرة للسيد ولد عبد العزيز للتراب الوطني بعد ذلك. وتثير هذه الرواية الدفاعية إشكالات واضحة عدة. أولها إشكال قانوني وأخلاقي. فحتى على فرض صحة هذه الادعاءات، لا يجوز لأحد أن يحتج بخطئه أو بمخالفته للقانون لصالحه. ذلك أن تلقي مبالغ ضخمة بالعملات الأجنبية، خارج أي إطار قانوني، على أنها فائض تمويل حملة انتخابية، يشكل في حد ذاته خرقاً جسيماً لجملة من القواعد المتعلقة، على وجه الخصوص، بـ:
• تمويل الحياة السياسية؛
• الشفافية المالية؛
• حركة رؤوس الأموال؛
• وواجبات التصريح المفروضة على كبار المسؤولين العموميين.
وبعبارة أخرى، فإن هذا الدفاع يهدم بنفسه الادعاء بالمشروعية الكاملة للأموال المعنية. وقد أدلى شهود أمام المحكمة بأقوال دعمت الاتهامات، لكن الرسالة لا تذكر ذلك مطلقًا...
بل إن الوصف الوارد في الرسالة يكاد يشكل اعترافًا بتداول غير رسمي لعملات أجنبية على نطاق استثنائي للغاية، فملايين اليورو والدولار التي سُلّمت نقدًا، خارج أي آلية مصرفية معروفة، ومن دون أثر محاسبي عمومي أو تبرير وثائقي معروف، إن صحت هذه الرواية، فإنها تمثل في حد ذاتها فضيحة مؤسساتية ومالية غير مسبوقة.
لكن الإشكال الأعمق يظل في مكان آخر: الغياب التام لأي بداية إثبات: - فلا أمام المحاكم، - ولا في هذه الرسالة المفتوحة، تم تقديم أي عنصر مادي جدي، كوثائق مصرفية؛ أو وصولات؛ أو آثار محاسبية؛ أو شهود محددين؛ أو سندات رسمية؛ أو وثائق انتخابية؛ ولا مبررات مالية قابلة للتحقق. لا شيء.
وينطبق الأمر نفسه على أسطول السيارات الضخم المشار إليه، والذي قيل إنه هدية من شخصية سياسية بارزة. فمرة أخرى لا دليل؛ ولا عقد؛ ولا تتبع مالي؛ ولا انسجام مالي مثبت.
ومن اللافت بشكل خاص أن الرئيس السابق يعتبر أن الأمر القانوني المتعلق بتمويل الحملات الانتخابية أصبح “متجاوزًا” لأنه لم يُطبق منذ اعتماده سنة 2006 حتى انتخابات 2024. ويبدو هذا الدفع أكثر تناقضًا لأنه صادر عمن كان، لمدة اثني عشر عامًا، الضامن الأول لتطبيق القوانين والدستور. فلو كان عدم تطبيق قانون لفترة طويلة كافيًا لإسقاطه قانونيًا، لكان المنطق نفسه يقود إلى اعتبار قوانين مكافحة الفساد غير قابلة للتطبيق أيضًا، إذا لم تُفعّل بشكل كاف خلال بعض الفترات. وهو تصور يتعارض مع دولة القانون. فالقانون يظل ملزمًا ما لم يتم إلغاؤه، حتى وإن كان تطبيقه ناقصًا.
وفي الواقع، فإن هذا الدفع لا يفعل سوى التشكيك ضمنيًا في المسؤولية السياسية للسلطات التي كانت مكلفة أصلًا بتطبيق هذا الأمر القانوني خلال فترة ممارسة محمد ولد عبد العزيز نفسه للسلطة.
رابعًا: التحولات المتعاقبة لأطروحة مصدر الثروة الهائلة
لكن التناقض الأبرز يكمن بلا شك في تطور الروايات المقدمة خلال سير الإجراءات بشأن مصدر هذه الثروة الضخمة المقدرة بمليارات عديدة من الأوقية القديمة، نقدًا وفي شكل ممتلكات منقولة وعقارية.
فقبل هذه الرواية الجديدة القائمة على “فائض التمويلات الانتخابية” والهبات الداخلية داخل السلطة، كانت هناك رواية أخرى. إذ أوحى محامو الرئيس السابق، وبعض تصريحاته السابقة بالممتلكات، بأن هذه الثروة الهائلة جاءت من هبات قدمها رؤساء دول أجانب.
لكن هنا أيضًا: من هم هؤلاء الرؤساء؟ ومتى؟ وفي أي ظروف؟ وبأي مبالغ؟ ووفق أي إطار قانوني أو دبلوماسي؟ يبقى الأمر غامضًا.
وقد تم التخلي تدريجيًا عن هذه الرواية لأنها بدت واهية ويصعب الدفاع عنها قانونيًا. ومع ذلك، ومن باب المفارقة، فقد كانت أكثر انسجامًا مع خط الدفاع القائم على المادة 93 من الدستور، لأن الامتيازات المتلقاة في إطار العلاقات بين رؤساء الدول كان يمكن — نظريًا على الأقل — اعتبارها مرتبطة بممارسة الوظيفة الرئاسية. غير أن هذه البنية الدفاعية اختفت لاحقًا من النقاشات، لتحل محلها سلسلة من التفسيرات الغامضة والمتقلبة والمتناقضة.
خامسًا: استراتيجية قائمة على اتهامات صاخبة ومعممة
ما يلفت الانتباه أخيرًا في هذه القضية هو السهولة التي يوجه بها الرئيس السابق الاتهامات إلى:
- القضاة؛
- والمسؤولين السياسيين؛
- ورجال الأعمال؛
- والمؤسسات؛
- ومحامي الطرف المدني؛
- بل وحتى رئيس الجمهورية نفسه.
غير أن هذه الاتهامات الخطيرة للغاية تُطلق في الغالب دون أي إثبات أو عنصر مادي قابل للتحقق. وهذه الطريقة ليست جديدة على السيد ولد عبد العزيز.
فقد ظهرت خلال جلسات المحاكمة نفسها، بما في ذلك تجاه محامين يمثلون الدولة والطرف المدني، حيث وُجهت إليهم اتهامات علنية دون أي دليل مباشر أو غير مباشر يدعمها. وهكذا، كلما أصبحت الأسئلة المتعلقة بالمصدر الحقيقي لهذه الثروة أكثر إلحاحًا، انتقل النقاش أكثر نحو:
- اتهامات عامة؛
- وروايات مؤامرة خيالية؛
- وتنديدات سياسية تشهيرية؛
- وهجمات شخصية خبيثة.
وكأن الهدف الأساسي لم يعد إثبات المصدر المشروع للأموال، بل تذويب القضية الجوهرية في مواجهة سياسية فوضوية شاملة. ومع ذلك، ورغم تعدد الروايات المتعاقبة، يبقى سؤال أساسي قائمًا بإلحاح منذ بداية الملف:
كيف يمكن تفسير تراكم ثروة بهذا الحجم قانونيًا وماليًا وماديًا خلال عقد واحد من ممارسة السلطة؟ وهو السؤال الجوهري الذي لا التصريحات العلنية، ولا الروايات الدفاعية المتعاقبة، ولا الرسالة المفتوحة الحالية، استطاعت أن تقدم له جوابًا حقيقيًا.
سادسًا: الخطر على الدولة والمؤسسات
تمر موريتانيا بمرحلة حساسة، حيث ما تزال المؤسسات هشة والثقة العامة محدودة. وفي هذا السياق، يجب تجنب انحرافين:
- تحويل القضاء إلى أداة سياسية؛
- وتحويل كل ملاحقة قضائية لمسؤول عمومي إلى مجرد “مؤامرة سياسية”.
فدولة القانون لا يمكن أن تعيش لا في ظل الإفلات التام من العقاب، ولا في ظل الانتقام السياسي.
ومكافحة الفساد تقتضي:
- إجراءات لا تشوبها شائبة؛
- وأحكامًا معللة؛
- واحترام حقوق الدفاع؛
- وكذلك ترسيخ ثقافة حقيقية للمساءلة على أعلى مستويات الدولة.
سابعًا: الخاتمة
بعيدًا عن الانفعالات والصراعات السياسية، تكشف هذه القضية قبل كل شيء أزمة أعمق: أزمة العلاقة الهشة بين السلطة والمسؤولية والمشروعية في نظامنا المؤسسي.
فالرسالة المفتوحة للرئيس السابق لا تجيب في نهاية المطاف إلا جزئيًا على السؤال الجوهري الذي يلازم هذا الملف منذ بدايته: كيف يمكن تفسير تراكم ثروة استثنائية الحجم قانونيًا وماليًا وماديًا أثناء ممارسة السلطة؟
وفي غياب أجوبة دقيقة وقابلة للتحقق ومتسقة، فإن الاتهامات العامة، وروايات المؤامرة، والطعن في جميع الفاعلين المؤسساتيين، قد تؤدي أساسًا إلى مزيد من إضعاف ثقة المواطنين في القضاء، وفي الدولة، وفي الخطاب العمومي ذاته.
إن موريتانيا لن تخرج بشكل دائم من هذا النوع من الأزمات، لا عبر تقديس الحكام، ولا عبر تصفية الحسابات السياسية، بل من خلال التأسيس التدريجي لدولة قانون حقيقية يكون فيها:
- لا أحد فوق القانون؛
- ولا يُدان أحد دون ضمانات؛
- لكن لا يجوز كذلك لأي أحد أن يفلت من واجب تبرير مصدر وإدارة الثروات المتراكمة أثناء ممارسة السلطة أو بسببها.
فبهذا الشرط وحده سيتوقف النظر إلى العدالة باعتبارها إما أداة انتقام، أو عقبة أمام الإفلات من العقاب، لتصبح أخيرًا ما ينبغي أن تكون عليه في كل جمهورية: مؤسسة ذات مصداقية في خدمة القانون والحقيقة والوطن.
8 مايو 2026




