
ليست كل الأرقام مجرد إحصاءات جامدة، فبعضها يروي قصة إدارة ناجحة، ورؤية واضحة، وقدرة حقيقية على تحويل المؤسسات العمومية إلى أدوات فعالة في خدمة الاقتصاد الوطني. وهذا ما ينطبق اليوم على التجربة التي يقودها المدير العام للجمارك، العقيد خالد السالك، الذي بات اسمه مرتبطًا في أذهان الكثيرين بفكرة الإصلاح والنتائج الملموسة.
لقد عرف الرجل، منذ توليه إدارة جمارك الحاويات بميناء نواكشوط، بأسلوبه الإداري القائم على الصرامة والانضباط والمتابعة الميدانية، وهي المرحلة التي شهدت تحسينًا ملحوظًا في الأداء وارتفاعًا في مستوى المردودية، إضافة إلى تعزيز الرقابة والانسيابية داخل واحد من أهم المرافق الاقتصادية في البلاد.
وقد تركت تلك التجربة انطباعًا واسعًا لدى المتابعين، حيث برز خلالها العقيد خالد السالك كإطار يمتلك رؤية عملية في التسيير، تقوم على رفع الكفاءة وتحسين الأداء ومحاربة الاختلالات، وهي المقاربة التي واصل العمل بها لاحقًا على رأس الإدارة العامة للجمارك.
لكن ما تحقق في الجمارك خلال الفترة الحالية يبدو أكثر لفتًا للانتباه، خصوصًا مع الأرقام القياسية التي أعلنتها الإدارة العامة للجمارك خلال عام 2025، والتي كشفت عن تجاوز الإيرادات حاجز 405 مليارات أوقية قديمة، في سابقة تعكس حجم التحول الذي يشهده هذا القطاع الحيوي.
والأهم من ذلك أن هذه النتائج لم تكن مجرد ارتفاع عادي في المداخيل، بل جاءت بزيادة تجاوزت 100 مليار أوقية قديمة مقارنة بعام 2024، وهو فارق ضخم يعكس مستوى التطور الذي عرفته منظومة التحصيل والرقابة الجمركية، كما يؤكد نجاح الإدارة الحالية في رفع أداء المؤسسة وتحسين مردوديتها.
ولعل ما يمنح هذه الأرقام دلالتها الحقيقية هو أن إدارة الجمارك لم تكتف بتحقيق الأهداف المرسومة، بل تجاوزتها بفارق كبير، بعدما كان سقف التوقعات المحدد مطلع العام في حدود 339 مليار أوقية قديمة، لتنجح الإدارة في تحقيق فائض مالي معتبر شكل دعماً مهماً للخزينة العامة وللاقتصاد الوطني بشكل عام.
ولا يمكن فصل هذه النتائج عن طبيعة الإدارة التي يقودها العقيد خالد السالك، حيث بدا واضحًا خلال السنوات الأخيرة أن الرجل يعتمد فلسفة تقوم على تحديث آليات العمل، ورفع مستوى الرقابة، وتعزيز المهنية داخل القطاع، وهو ما انعكس مباشرة على الأداء والإيرادات.
كما أن النجاحات التي تحققت لم تقتصر على الجانب المالي فقط، بل شملت أيضًا صورة المؤسسة وحضورها الوطني، وهو ما تجسد مؤخرًا في التتويج التاريخي لفريق الجمارك بكأس رئيس الجمهورية لأول مرة في تاريخه، في مشهد رمزي يعكس روح الانتماء والحيوية التي أصبحت تطبع المؤسسة.
إن التجارب الناجحة داخل مؤسسات الدولة لا تُقاس بالشعارات ولا بحجم الخطابات، بل بحجم النتائج على الأرض، والأرقام التي تتحقق لصالح الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة العقيد خالد السالك اليوم واحدة من التجارب الإدارية التي تستحق التوقف عندها، لأنها تقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل المؤسسات العمومية إلى فضاءات للإنتاج والفعالية والإنجاز.
وفي بلد يحتاج إلى تعميم نماذج الإدارة الناجحة، فإن ما تحقق في جمارك الحاويات بالميناء سابقًا، وما يتحقق اليوم في الإدارة العامة للجمارك، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الكفاءة والجدية حين تتوفران، تصبح النتائج مسألة وقت فقط.




