
في رحيل الرجال الكبار لا تبكي الأسر وحدها، بل تبكي القيم، وتنكسر في النفوس معاني الوفاء والنبل والمروءة والشهامة . وبرحيل الأخوين الكريمين، المرحوم مولود ولد سيد عبد الله الملقب “اباه”، والمرحوم أحمدَ ولد الجيلاني، يكون المجتمع قد فقد ركيزتين من ركائز الخير والإصلاح، ورجلين من أهل الشهامة الذين تركوا أثراً لا تمحوه الأيام.
لقد كانا، رحمهما الله، عنواناً للأخلاق الرفيعة، والسعي في مصالح الناس، وحفظ الروابط الاجتماعية، وإكرام الضيف، ونصرة المحتاج، والسير بين الناس بوجه طلق وقلب واسع. لم يكونا مجرد اسمين في سجل الحياة، بل كانا مدرسة في التواضع والصدق والوفاء.
رحل “اباه” وقد ترك في القلوب صورة الرجل الأصيل الذي عاش قريباً من الجميع، حاضراً في أفراح قومه وأتراحهم، يحمل همّ الناس ببساطة الكبار وصفاء النفوس النقية. أما أحمدَ ولد الجيلاني، فقد كان قامة اجتماعية ووطنية، جمع بين الحكمة والوقار، وبين محبة الناس واحترامهم، فكان ممن إذا حضروا عمّ الخير، وإذا غابوا شعر الجميع بثقل الفراغ.
إن المصيبة حين تأتي متتابعة تكون أشد وقعاً على النفوس، وكأن القدر أراد أن يختبر صبر القوم برحيل بنيانين من بنيانهم المتين. وصدق الشاعر حين قال:
بنيانُ قومٍ إذا ما تهدّمَ ركنُهُ
ضجّتْ قلوبُ الناسِ خوفاً وانكسارا
لقد كان الفقيدان من الرجال الذين يصنعون التوازن داخل مجتمعاتهم، يطفئون نار الخلاف، ويجمعون الشمل، ويزرعون الطمأنينة في النفوس. ورحيل أمثالهم لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشوها، بل بحجم الفراغ الذي يتركونه خلفهم.
وفي هذه اللحظات الحزينة، لا نملك إلا أن نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيدين بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدماه من خير وإصلاح وإحسان في ميزان حسناتهما، وأن يلهم أهلهما وذويهما ومحبيهما الصبر والسلوان.
رحم الله مولود ولد سيد عبد الله “اباه”، ورحم الله أحمدَ ولد الجيلاني، فقد رحلا جسداً، لكن سيرتهما ستبقى حيّة في ذاكرة الناس، تتناقلها الأجيال كما تُتناقل قصص الرجال الصادقين الذين مرّوا من هنا وتركوا خلفهم أثراً طيباً لا يزول.




