رئاسيات 2029 من سيكون مرشح النظام : قراءة في الحظوظ

سبت, 05/23/2026 - 23:48

تشهد الساحة السياسية في موريتانيا منذ سنوات حالة من إعادة التشكل الهادئ داخل مراكز النفوذ التقليدي والعسكري والإداري، وهو ما يجعل الحديث المبكر عن رئاسيات 2029 مرتبطًا أكثر بميزان القوة داخل الدولة، وطبيعة التحالفات الاجتماعية، وموقف المؤسسة العسكرية، وقدرة كل شخصية على التحول من “رجل دولة” إلى “مرشح إجماع أو تنافس قوي”.
وفي هذا السياق، تبدو الأسماء المطروحة ذات خلفيات مختلفة، لكنها تلتقي في امتلاك شبكات نفوذ معتبرة داخل الإدارة أو المؤسسة العسكرية أو البنية الاجتماعية التقليدية.

 

الفريق حنن ولد سيدي :

يُنظر إلى حنن ولد سيدي باعتباره أحد أكثر الشخصيات العسكرية هدوءًا وانضباطًا داخل دوائر الحكم، وقد عززت قيادته لوزارة الدفاع صورته كرجل دولة بعيد عن الصخب السياسي المباشر.
تكمن نقاط قوته في عدة عناصر:
خلفيته العسكرية وسمعته داخل المؤسسة العسكرية، وهي نقطة شديدة الأهمية في بلد ظل الجيش فيه لاعبًا محوريًا في رسم التحولات الكبرى.
امتداده الاجتماعي في الشرق الموريتاني، خاصة في المناطق المتاخمة لـ مالي، وهي مناطق ذات حساسية أمنية واجتماعية كبيرة.
انحداره من بيئة تقليدية ذات ثقل قبلي وتاريخي، ما يمنحه قدرة على بناء توازن بين الدولة الحديثة والبنية الاجتماعية التقليدية.
قربه من دوائر القرار الحالية دون أن يُستهلك إعلاميًا أو يدخل في خصومات سياسية حادة.
لكن التحدي الأكبر أمامه يتمثل في أن صورته لا تزال أقرب إلى “رجل المؤسسة” منها إلى “الزعيم السياسي الجماهيري”، إذ لم يُعرف حتى الآن بقيادة تيار سياسي واسع أو بخطاب تعبوي قادر على اجتذاب الشباب والطبقات الشعبية.
إذا حدث توافق داخل النظام على مرشح ذي خلفية عسكرية هادئة، فقد يكون اسمه حاضرًا بقوة، خاصة إذا بقيت الأولوية خلال السنوات المقبلة للأمن والاستقرار الإقليمي.

 

الفريق المتقاعد مسقارو ولد اغويزي. :

يُعد مسقارو ولد اغويزي من أكثر الشخصيات الأمنية حضورًا في الوعي الشعبي خلال السنوات الأخيرة، وقد راكم صورة “الرجل القوي” داخل المنظومة الأمنية، خاصة بعد قيادته لأجهزة حساسة مرتبطة بالأمن ومحاربة الجريمة والإرهاب.
عوامل قوته متعددة:
رصيد أمني وعسكري طويل جعله معروفًا لدى مختلف شرائح المجتمع.
شبكة علاقات واسعة مع النخب السياسية والقبلية والاقتصادية.
حضوره الاجتماعي اللافت بعد التقاعد، وهو مؤشر على أن نفوذه لم يكن مرتبطًا فقط بالمنصب.
علاقاته الجيدة مع رجال أعمال نافذين مثل محمد ولد بوعماتو، وهو عنصر مهم في أي معركة انتخابية تحتاج إلى التمويل والدعم الإعلامي.
احتفاظه بعلاقات محترمة مع أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، دون أن يدخل في قطيعة كاملة مع النظام الحالي.
مواقفه الإنسانية والاجتماعية، مثل حضوره جنازة والد الرئيس السابق، أعطته صورة الرجل الذي يضع الاعتبارات الاجتماعية فوق الحسابات السياسية الضيقة.
كما أن قيادته لتحالفات محلية في الحوض الغربي تمنحه امتدادًا انتخابيًا مهمًا، خصوصًا في منطقة تُعرف بثقلها الانتخابي وتأثيرها في المزاج السياسي الشرقي.
غير أن العقبة الأساسية أمامه قد تكون حساسية بعض دوائر السلطة من أي شخصية أمنية تملك شعبية مستقلة وعلاقات متعددة الاتجاهات. كما أن انتقال رجل الأمن إلى العمل السياسي المباشر يتطلب خطابًا اقتصاديًا واجتماعيًا واضحًا، لا مجرد رصيد أمني.
ومع ذلك، يبقى من أكثر الأسماء قدرة على صناعة المفاجأة إذا توفرت له مظلة سياسية وتحالف وطني واسع.

 

محمد أحمد ولد احويرثي :  

يمثل محمد أحمد ولد احويرثي نموذج رجل الإدارة والدولة المقرب من مركز القرار، وقد عزز وجوده في وزارة الداخلية حضوره داخل مفاصل الإدارة الترابية والأمنية.
أبرز عناصر قوته:
قربه من الرئيس محمد ولد الغزواني.
معرفته الدقيقة بخريطة النفوذ المحلي والإداري.
حضوره داخل الجهاز التنفيذي للدولة في مرحلة حساسة.
لكن حظوظه ستظل مرتبطة أساسًا بموقف النظام القائم، لأنه لا يمتلك حتى الآن قاعدة سياسية شعبية مستقلة أو امتدادًا جماهيريًا واسعًا مقارنة ببعض الأسماء الأخرى.
إذا قرر النظام الدفع بشخصية تكنوقراطية إدارية تضمن الاستمرارية والهدوء، فقد يصبح اسمه مطروحًا بقوة، أما إذا اتجه المشهد نحو منافسة شعبية مفتوحة وتحالفات اجتماعية كبيرة، فقد يحتاج إلى دعم سياسي أوسع.

 

الوزير الأول المختار ولد اجاي : 

يبدو المختار ولد اجاي الأكثر امتلاكًا للأدوات السياسية المباشرة مقارنة ببقية الأسماء المطروحة، فهو يجمع بين الخبرة الإدارية والقدرة على إدارة التحالفات السياسية والاجتماعية.
من أبرز نقاط قوته:
قيادته لتيار “متحدون”، الذي يُنظر إليه كواحد من أكبر الأطر السياسية والإدارية داخل الدولة.
نفوذه القوي في ولاية لبراكنه، وهي ولاية محورية انتخابيًا.
علاقاته الممتدة داخل الإدارة والطبقة الوسطى من الأطر.
قدرته على إدارة التحالفات والتفاهمات السياسية.
الحديث المتكرر عن إمكانية تقارب مستقبلي مع بيرام ولد الداه ولد اعبيدي، وهو احتمال إذا تحقق قد يغيّر موازين كثيرة، نظرًا للثقل الشعبي الذي يمثله بيرام داخل شرائح واسعة.
لكن التحدي أمام ولد اجاي يتمثل في أن خصومه يربطونه بصورة “رجل النظام والإدارة”، ما قد يجعل جزءًا من الشارع الباحث عن التغيير أقل حماسًا له، خاصة في ظل تنامي الخطاب الاجتماعي والاحتجاجي.
ومع ذلك، فإن امتلاكه لآلة سياسية وتنظيمية حقيقية يجعله من أكثر الشخصيات استعدادًا لأي استحقاق رئاسي مبكر أو مفاجئ.
خلاصة المشهد
إذا بقيت الدولة تميل إلى خيار “الاستمرارية الهادئة”، فقد تتقدم شخصيات مثل حنن ولد سيدي أو محمد أحمد ولد احويرثي باعتبارهما الأقرب إلى منطق الدولة والمؤسسة.
أما إذا اتجهت البلاد نحو انتخابات تنافسية مفتوحة تقوم على التحالفات الاجتماعية والسياسية الواسعة، فقد ترتفع أسهم مسقارو ولد اغويزي أو المختار ولد اجاي، كلٌ وفق نوع التحالف الذي يستطيع بناءه.
ويبقى العامل الحاسم في رئاسيات 2029 مرتبطًا بعدة ملفات:
موقف الرئيس الحالي من مأمورية ما بعد 2029.
شكل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.
قدرة المعارضة على التوحد.
تأثير العامل الاقتصادي والاجتماعي.
طبيعة التحالفات القبلية والجهوية.
حجم المشاركة الشبابية والاحتجاجية.
وفي بلد مثل موريتانيا، كثيرًا ما تُحسم المعارك الرئاسية في المساحات الرمادية بين الدولة والمجتمع، وبين النفوذ التقليدي والقبول الشعبي، لا فقط عبر الحملات الانتخابية التقليدية.

 

نوح.محمد محمود.