
في كل مرة تشتد فيها الأزمات في المنطقة نجد أصابع الاتهام تتجه إلى مصر وكأنها هي سبب كل ما يجري بينما الحقيقة أن مصر كثيرا ما تدفع ثمن أخطاء غيرها ومغامرات من ظنوا أن الشعارات تغني عن الحكمة وأن الانفعال يصنع الانتصارات
لقد اختارت مصر عبر تاريخها أن تكون دولة مسؤولة تدرك أن الحروب ليست ألعابا وأن الدماء ليست وسيلة للدعاية وأن الأوطان لا تبنى بالصخب وإنما بالعقل والعمل والصبر ولهذا كانت تدفع أحيانا ثمن اعتدالها كما دفعت من قبل ثمن مواجهاتها دفاعا عن الأمة كلها
المؤلم أن بعض من لم يقدم لوطنه شيئا يهاجم مصر ليل نهار ويحرض عليها ويتمنى سقوطها غير مدرك أن سقوط مصر لن يكون هزيمة للمصريين وحدهم بل سيكون كارثة على المنطقة بأسرها فمصر ليست دولة عابرة في الجغرافيا أو التاريخ وإنما هي ركيزة للاستقرار وحائط الصد الذي يحول دون انهيار الإقليم كله
وحين تتصرف الدولة المصرية بحساب ودقة يتهمها البعض بالضعف وإذا تحركت لحماية أمنها القومي اتهموها بالقوة المفرطة وكأن المطلوب من مصر أن تدفع الفاتورة دائما وأن تصمت دائما وأن تتحمل نتائج مغامرات الآخرين دون أن يكون لها حق الدفاع عن مصالحها
إن من حق أي مواطن أن يختلف مع سياسات أو قرارات لكن لا يملك أحد حق التحريض على وطنه أو الشماتة فيه أو العمل على إضعافه فالأوطان لا تعوض وإذا ضاعت الدولة فلن يبقى مجال للخلاف ولا للرأي ولا للحياة الكريمة
أما الذين يطلقون الشتائم ويستبدلون الحجة بالإساءة فهم لا يخدمون قضية ولا يبنون مستقبلا فاللغة الهابطة لا تصنع فكرا ولا تحقق نصرا وإنما تكشف عجز أصحابها عن تقديم رؤية أو حجة
ستبقى مصر أكبر من حملات التشويه وأقوى من دعوات الفوضى لأنها قامت عبر آلاف السنين على شعب يعرف قيمة وطنه وجيش يحمي حدوده ومؤسسات تدرك أن الحفاظ على الدولة مسؤولية لا تقبل المساومة
قد تدفع مصر ثمن مغامرات الصغار مرة بعد أخرى لكنها لم تكن يوما دولة صغيرة ولن تكون لأن الدول الكبيرة لا تقاس بضجيج خصومها وإنما بتاريخها وقدرتها على الصمود وحماية حاضرها وصناعة مستقبلها.




