المفكر العربى على محمد الشرفاء الحمادي يكتب :دعوة الله لتحرير العقول ...

ثلاثاء, 07/07/2026 - 19:46

 

قال الله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (البقرة: 134).
وقال سبحانه مكرراً المعنى نفسه: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (البقرة: 141).
هاتان الآيتان ليستا مجرد حديث عن أمم مضت، وإنما أمر الله في القرآن بتعظيم تحرير الإنسان من أن يجعل عقله أسيراً لأقوال السابقين، يعيش حاضره في الماضي ويربط مستقبله مع بقايا أقوال عفى عليها الزمن قروناً طويلة، وقصرت عن إدراك متطلبات الأجيال القادمة وما حدث في العالم من تطور للعلم باستخدام التكنولوجيا والإنترنت والذكاء الاصطناعي وما له من تأثير على حياة الإنسان والتطور العلمي للمستقبل الذي يتطلب فكرًا متحررًا يتوافق مع الأفكار المستجدة التي تساهم في تشكيل الحضارة الإنسانية، فكيف رضي الناس الذين دخلوا الإسلام ومرجعيته التي تضمنت الآيات القرآنية التي أمر الله في بداية نزول أول سورة على الرسول عليه السلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن باسم (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) 
اقرأ (1\2\3\4\5) أليست هذه الآية أمرًا مباشرًا من رب العالمين لكل إنسان أن يقرأ ويتعلم ويوظف عقله في البحوث العلمية والاكتشافات والأبحاث ليرتقي بحياته ويساهم في تطوير مقدرات مجتمعه ليحقق له معيشة أفضل في سكنه وقوته ومعالجة ما يواجه الإنسان من أمراض ومشاكل صحية مختلفة ومتطلبات لمواجهة القصور في تحقيق الاكتفاء الذاتي في قوت المجتمع واختراع الوسائل الجديدة  لمواجهة متطلبات الحياة الإنسانية مع تغير ظروف المناخ وما قد يواجه الناس من جفاف الآبار والأنهار وما يحدث من مجاعات للناس مما يشكل خطرًا على حياة أفراد المجتمع، وهنا يتولى الأمر المتعلمون والمخترعون لإيجاد البدائل في وطنه لمواجهة تلك الظروف القاسية، ولذلك أمر الله الإنسان بأن يقرأ ويتعلم ويبحث في الأرض وفي الفلك ليسخر ما فيها من إمكانيات لمنفعة الإنسان.
ثم بين الله سبحانه للناس بدعوته لتحرير عقولهم من أن يكونوا أسرى لمن سبقهم من الحضارات، والأمم السابقة، ولا يكونوا أسرى للماضي يعطلون عقولهم وما أودع الله فيها من أسرار وعلوم، ولذلك أمر الله سبحانه المؤمنين بالتدبر والتفكر في آيات القرآن الكريم بما تضمنته من الهدى الإلهي من العلوم والتشريعات والمناهج التي تفي بمتطلبات حركة الحياة للإنسان في كل الأوقات وتتوافق مع الاحتياجات التي تحقق له الحياة الطيبة وتكسبه الطمأنينة والسلام وتؤمن له الاستقرار وتحصنه بعيدًا عن الاضطراب والصدام والكراهية والعدوان وما يترتب على ذلك من الضرر والشقاء والضنك للإنسان في الحياة الدنيا بما أنزله الله على رسوله الأمين من الآيات في القرآن المجيد من عظات وتشريعات ونصائح ومنهج للمعاملات وما يتضمنه من رحمة وعدل وإحسان ونشر السلام، قواعد تنظم حركة الحياة للإنسان وتحقق التكامل والتعاون بين أفراد المجتمع وفق نظام يستمد حركته ونتائجه من خالق السماوات والأرض، ويهب لبعض الناس قدرات ورؤى مختلفة عن 
بعضهم كل لتحقيق التكامل بينهم حين تتجمع القدرات لتحقيق هدف واحد يحقق مصلحة المجتمع، وكل يسير في فلك يسبحون طبقاً لنظام الفلك وحركة الكون لا يطغى أحد العناصر على غيره من 
الكواكب تسير وفق مسار ثابت لا يتغير حتى قيام الساعة وفق نظام ليس لعناصر الكون حق الاختيار، إنما الجميع يسير وفق الأوامر الجبرية الإلهية التي جعلها الله لهم يسيرون في مساراتهم مرغمين بغير إرادتهم الحرة إلا الإنسان الذي منحه الله حق حرية الاختيار والتي على أساس نتائج خياراته يحاسبه الله يوم القيامة على أعماله وأفعاله، وأرسل له الرسل والأنبياء يرشدونه طريق الحق المستقيم وفق شرعة الله ومنهاجه اللتان  تتوافقان لكل زمان ومكان، تستوعب الحاضر والمستقبل ليسير الناس على هداهما لتحقق للناس الحياة الطيبة ليعيشوا في أمن وسعادة وتعاون لصالح الإنسان، بدلاً من أن يقود الفقهاء وشيوخ الدين وغيرهم ممن رهن عقله للماضي وبات سجيناً  للسابقين الذين جعلهم قيداً على قدرات العقل، فتوقف تفكير الإنسان فلم يستطع إعادة علماء الماضي، وضاعت عنه فرصة الحاضر، فخسر المستقبل، وهو في سجن مظلم يعاني من مخلفات السابقين الذين يقودون الناس إلى طريق الضلال وما يكبدونه في الحاضر من شقاء وآلام ومعاناة باتباعهم  البدع والروايات المزورة على الرسول ظلماً وعدواناً من أقوال البشر ممن قصرت رؤيتهم وضعفت قدراتهم وقل إدراكهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً ولا يحيطون بعلم يمنحهم القدرة على رؤية المستقبل أو يعلمون الغيب ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا يستطيعون رد القدر ولا يملكون لأنفسهم الضمان لحياتهم ومواجهة العجز في آخر العمر وشفاء ما يداهمهم من الأمراض وما يواجهون في حياتهم من ضيق العيش، حيث تتوقف لديهم القدرة على الحركة ويحيل ضعفهم الجسماني بين تحقيق أحلامهم وبين ما يتمنونه من حياة طيبة، فلا يملكون رد القضاء، ثم بعد ذلك يساقون نحو القبور وتنتهي رحلتهم القصيرة في الحياة، وفي المقابل ينسى الناس تلك الحقائق، حيث يبالغ التابعون لهم بتقديسهم ويشركون بهم عن عبودية الله ملك السماوات والأرض الذي يحيي ويميت كما وصف نفسه سبحانه بقوله:
1- هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم.
2- هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار.
3- هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم.
فالذين يتبركون بأهل القبور ويتوسلون إليهم بالشفاعة والوساطة عند ربهم خاطبهم الله في الآية التالية مبيناً عجز أوليائهم عن تلبية أمانيهم، وهي حجة الله على المشركين تكشف عجز أوليائهم من تلبية أمانيهم في الشفاعة لهم يوم الحساب في قوله سبحانه:
﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون﴾
(الأعراف: 194-195)
فكيف تم استدراج كثير من الناس ليشركوا بالله ويجعلون نفراً من الناس الضعفاء أرباباً لهم يقدسونهم ليحلوا محل خالقهم رب السماوات والأرض؟ كيف عميت أبصارهم عن عظمة الله وعظيم خلقه، وكيف نسوا أن مرجعهم إليه بعد موتهم وهو الذي سبحانه يحيي ويميت، وأنهم سيبعثون يوم القيامة وكلهم آتيه فردًا لا يملك لنفسه شيئًا، فالله سبحانه يخاطب كل جيل ليذكرهم أن الذين سبقوكم قد انتهى عملهم، وقفلت سجلاتهم، ولا تفتح إلا يوم الحساب، كما وصف الله سبحانه ذلك الموقف في قوله:
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
(الإسراء: 13..12)
فحساب أوليائكم المزعومين يوم القيامة عند ربهم سيجزيهم الله على أعمالهم في الدنيا بما كسبت أيديهم، أما من اتبعهم وآمن بهم وصدقوا رواياتهم وفتاويهم وأضلوهم عن طريق الحق، فلن يكونوا مسؤولين عن تابعيهم والذين أشركوا بهم رب العالمين، فأين ذهبت عقول التابعين وأشركوا مع الله الأولياء؟ وكيف غيبوا فهمهم وما الذي حال بينهم وبين التدبر في كتاب الله يتفكرون في آياته لتحصنهم من الشرك بالله وتحميهم يوم الحساب من عذاب الله؟ ولن ينفعهم يوم القيامة أن يقولوا اتبعنا فلانًا أو اقتدينا بفلان أو وجدنا آباءنا على هذا الطريق، كما وصف الله قولهم:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾
(الزخرف: 22)
وقول الله سبحانه بين حجتهم الواهية في عدم اتباعهم للآيات القرآنية:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
(البقرة: 170)
إن أخطر ما أصاب الناس عبر القرون هو أن كثيرًا منهم انشغلوا بأقوال الأموات وما ألفوه من روايات مزورة على الرسول وجعلوها أكثر الناس تطغى على كلام الله، ونشأوا بها دينًا موازيًا ليحل محل رسالة الله للناس في القرآن المجيد، فهجر الناس القرآن واتبعوا ما ألفه من تسموا بالأئمة من التفسير وأصحاب الروايات الذين حرفوا رسالة الإسلام، وتحقق ما حذر منه الله سبحانه في كتابه المبين في قوله سبحانه يبلغ عن الناس بشكوى الرسول إلى ربه:
﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا﴾
(الفرقان: 30)
فانشغلوا عن القرآن وانصرفوا إلى تمجيد الرجال ومن أسموهم بالأئمة، واستسلموا لأقوالهم المخادعة، وعطلوا عقولهم عن التدبر في الآيات القرآنية التي تضيء لهم طريق الحق وتخرجهم من الظلمات إلى النور، والله سبحانه يخاطبهم ليذكرهم بأن لهم عقولًا يتفكرون بها قادرة على التمييز بين الحق والباطل، عطلوها واستسلموا للمخادعين المضلين بقوله:
﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾
(محمد: 24)
وكرر الله سبحانه خطابه للناس بقوله: أفلا يعقلون، أفلا يتفكرون،، لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون، لأولي الألباب.
لقد تكررت الدعوة إلى العقل والتفكر والتدبر عشرات المرات في القرآن لأن الإسلام يبني الإنسان الحر المسؤول الذي يزن ما يرد إليه من أنباء وأقوال بعقله حتى يتبين للإنسان الحق من الباطل، فمراد الله أن يحصن الإنسان من تسليم للأموات، ويأمره بتوظيف عقله، ولا يجعله رهينًا لغيره، ويعطل مهمة العقل في تأدية عمله لتصويب فهمه وفكره، فتستدرجه نفسه باتباع أصحاب الروايات ليقودوه إلى الضنك والشقاء في الدنيا، وفي الآخرة غضب الله عليه وعقاب أليم.
إن تحويل الأشخاص إلى مراجع مقدسة لا تخطئ يخالف منهج القرآن، فالأنبياء وحدهم هم الذين بلغوا وحي الله، أما غيرهم فيصيب ويخطئ، ولذلك أمر الله رسوله بأن يعرف نفسه وحدوده للناس حتى لا يبالغوا في مكانته وقدسيته التي تحجب عن الناس قدرة الله سبحانه، حين نبأ الله الناس استباقًا عما سيحدث في المستقبل بقوله سبحانه مخاطبًا رسوله عليه السلام يأمره:
﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ﴾
(الكهف: 110)
ثم يخاطب الله الناس سبحانه بصيغة استنكارية لنسيانهم قدرة الله ومكانته عند الناس، ليتذكروا دائمًا خالق السماوات والأرض وإليه الناس كلهم راجعون بقوله:
﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾
(الزمر: 67)
فإذا كان النبي محمد عليه السلام يؤكد أنه بشر لا يعبد ولا يرفع فوق منزلته، فكيف يرفع الجهال غيره من الناس إلى مقام لا يناقش ولا يراجع ولا يعرض قوله على كتاب الله؟ لقد ذم الله الذين عطلوا عقولهم بحجة اتباع الآباء فقال:
﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون﴾
(البقرة: 170)
وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22)، ثم بيّن أن هذه الحجة كانت سبب ضلال أمم كثيرة.
إن القرآن لا يرفض التاريخ، ولكنه يرفض أن يتحول التاريخ إلى قيد يمنع الإنسان من التدبر في الآيات القرآنية، وتسيطر عليه روايات الماضي لتعطيل العقل وتقديس رواتها، من التفكر والتدبر في الذكر الحكيم والبحث العلمي المجرد عن الحق، ويحرم على الناس أن يصبح التراث بديلاً عن الآيات القرآنية.
إن كثيرًا من الناس يقفون أمام الأضرحة ويطلبون من أصحابها ما لا يُطلب إلا من الله، مع أن القرآن حسم الأمر فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 18)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (الأحقاف: 5)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (الجن: 21).
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك الضر ولا الرشد للناس إلا بما أذن الله، فكيف يملك ذلك من هو دونه من الأولياء أو الصالحين أو غيرهم.
إن الإسلام جاء ليحرر الناس من عبودية الإنسان للبشر، ويجعله عبدًا لله وحده، ولذلك قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31).
ولهذا فإن أخطر أنواع الشرك أن يعطل الإنسان عقله، وأن يجعل أقوال المرويات حاكمة على كتاب الله.
إن كل جيل مسؤول أمام الله عن عمله ومدى تطبيق شريعته ومنهاجه في رسالته في الكتاب المبين، فيوم الحساب لن ينفع الإنسان إلا عمله، تأكيدًا لقوله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38)، وقال سبحانه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39).
فالنجاة ليست بالانتماء إلى جماعة، ولا إلى مذهب، ولا إلى اتباعهم شيخًا معينًا، ولا إلى أي من أهل البيت، وإنما بالعمل الصالح والإيمان الصحيح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (الكهف: 107).
إن الأمة لن تنهض إلا إذا عادت إلى القرآن مباشرة، تتدبره بعقل مفتوح وقلب مخلص، وتجعل التدبر في الآيات القرآنية الوسيلة الوحيدة للفهم ومعرفة مقاصد الآيات وحكمتها لمنفعة الإنسان، وتجعل المتدبرين في خطاب الله وأهل التقوى والصالحين قدوة لهم، وتجعل الحوار بديلاً عن التعصب، والدليل بديلاً عن التقليد.
إن الله لم يأمرنا أن نقدس الماضي، وإنما أمرنا أن نتعلم منه عن أمم سبقت   نستقي منها الموعظة والعبرة، ولم يأمرنا أن نعبد الأشخاص، وإنما أمرنا أن نعبده وحده، ولم يأمرنا أن نغلق عقولنا، وإنما أمر الناس أن يتدبروا في كتابه المجيد ويتفكرون ليفهموا مقاصد الله لآياته وحكمتها لمنفعة الإنسان في الحياة الدنيا والآخرة.
ولذلك عرف الله الناس عن الأمم السابقة بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 134).
وكأن الرسالة الإلهية تقول لكل إنسان: لا تجعل الماضي سجنًا لعقلك، ولا تجعل روايات شيوخ الدين وتفسير المفسرين حجابًا بينك وبين كتاب ربك، ولا تؤجل مسؤوليتك بحجة أن غيرك قد فكر عنك، فالله أنزل كتابه لكل الناس، وجعل كل إنسان مسؤولًا عن أن يقرأ ويتدبر ويعقل ويختار طريقه على بصيرة؛ لأن يوم القيامة لن يُسأل الإنسان ماذا قال فلان، وإنما سيسأل: ماذا فعلت أنت حين جاءك كتاب الله مبينًا وهاديًا ونورًا للعالمين.
وخلاصة القول أن المسلم المؤمن بالحق يعتبر الآية أعلاه تحذيرًا من الله سبحانه بعدم اتباع الأمم السابقة، وكل من يتبع السابقين في رواياتهم فقد ارتكب معصية عظيمة وسيحاسب عليها يوم القيامة.