المحامي فضيلي ولد الرايس يفصل رأيه حول قرار المجلس الدستوري الأخير

جمعة, 07/17/2026 - 22:36

الأخبار ميديا: اطلعتُ على قرار المجلس الدستوري، فرأيت أنه يثير إشكالات قانونية جدية، لما انطوى عليه من مخالفة لجملة من القواعد الإجرائية المستقرة، وما قد يترتب عليه من آثار تمس حجية الأحكام القضائية وآليات تنفيذها.

أولًا: إن اختصاص المجلس الدستوري، وفقًا للمادة (7) من القانون المنظم لانتخاب النواب، يقتصر على التحقق من توافر السبب القانوني الموجب لفقدان العضوية والتصريح به. فهو اختصاص مقيد لا يخول للمجلس إعادة بحث الحكم القضائي أو مراجعته، وإنما يقتضي منه التأكد من صدور حكم نهائي بالحرمان من الحقوق الوطنية ثم التصديق على الأثر الذي رتبه القانون عليه. ومن ثم فإن قرار المجلس في هذا المجال يعد قرارًا كاشفًا لا منشئًا، إذ إن سبب فقدان الأهلية ينشأ بحكم القضاء، بينما يقتصر دور المجلس على إعلانه احترامًا لمبدأ الفصل بين السلطات وتوازي الاختصاصات.

ثانيًا: استقر قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني على أن الطعن بالنقض، كأصل عام، لا يترتب عليه وقف تنفيذ الحكم، ما لم يوجد نص خاص يقضي بخلاف ذلك. والمحكمة العليا ليست محكمة موضوع تعيد نظر النزاع، وإنما تمارس رقابة قانونية على سلامة تطبيق القانون. ولو كان مجرد تقديم الطعن بالنقض مانعًا لترتيب الآثار القانونية للحكم، لكان الأولى أن يجعل المشرع تعهد المجلس الدستوري معلقًا على الفصل النهائي من المحكمة العليا، أو أن يربطه بإشعار من النيابة العامة لديها، وهو ما لم يأخذ به التشريع.

ثالثًا: إن الأخذ بأن مجرد الطعن بالنقض يمنع المجلس الدستوري من ترتيب الآثار القانونية للحكم من شأنه أن يؤسس لسابقة خطيرة مؤداها تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية بمجرد استعمال طريق من طرق الطعن غير العادية. ذلك أن جميع الأحكام النهائية تظل، من حيث المبدأ، قابلة لطرق الطعن غير العادية، كالنقض، والطعن لصالح القانون، والتماس إعادة النظر، وهي طرق استثنائية لا تمس حجية الحكم ولا توقف تنفيذه إلا بنص خاص. وإذا اعتبر مجرد احتمال استعمال هذه الطعون سببًا لوقف ترتيب الآثار القانونية للحكم، فإن التنفيذ قد يظل معلقًا إلى أجل غير محدد، وهو ما يتعارض مع مبدأ استقرار المراكز القانونية وحجية الأحكام القضائية.

ولعل ما أوقع المجلس الدستوري في هذا التفسير يرجع إلى أحد أمرين:

الأول: احتمال فهم المادة (23) من القانون الجنائي على غير مرادها، إذ إن النص على أن الحكم “غير قابل للطعن” لا يمكن حمله إلا على طرق الطعن العادية، لأن طرق الطعن غير العادية بطبيعتها الاستثنائية تظل قائمة متى توافرت شروطها القانونية. ومن المبادئ الإجرائية المستقرة أن الحكم الذي لا يقبل المعارضة أو الاستئناف يعد حكمًا نهائيًا، ويحوز قوة الشيء المقضي به، ولو بقيت طرق الطعن غير العادية متاحة في الحدود التي رسمها القانون.

الثاني: التأثر ببعض أحكام الفقه أو التشريع الفرنسي دون مراعاة خصوصية النصوص الوطنية. فالقانون الفرنسي يجعل، في بعض الحالات، للطعن بالنقض أثرًا موقفًا للتنفيذ وفق الأحكام التي ينظمها قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، بينما أخذ المشرع الموريتاني بالاتجاه المعاكس، فجعل الأصل أن الطعن بالنقض لا يوقف التنفيذ، وحصر الاستثناءات في حالات محددة بنصوص خاصة، فلا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.

وخلاصة القول أن المجلس الدستوري، في هذا النوع من التعهدات، لا يمارس رقابة على دستورية النصوص ولا يباشر وظيفة قضائية تتمثل في مراجعة الأحكام، وإنما يقتصر دوره على التحقق من تحقق السبب القانوني الذي رتب عليه المشرع فقدان الأهلية والإعلان عنه. ومن ثم فإن الامتناع عن ترتيب هذا الأثر بسبب مجرد قيام طعن غير عادي يبدو – في تقديري – خروجًا عن حدود الاختصاص الذي رسمه القانون للمجلس، وتفسيرًا يفضي إلى نتائج تمس استقرار الأحكام القضائية وتعارض المبادئ الإجرائية المستقرة في التشريع الموريتاني".