مجدى طنطاوى يكتب مصر حين تقف يقف التاريخ

اثنين, 07/27/2026 - 12:55

 

ليست الأوطان مجرد حدود ترسمها الخرائط ولا مجرد أعلام ترفرف فوق المباني وإنما هي الفكرة التي إذا سقطت سقط معها معنى الاستقرار في محيطها كله ولذلك لم تكن مصر يوما دولة عادية في حسابات السياسة ولا رقما بين أرقام الجغرافيا بل كانت دائما مركز الثقل الذي تتوازن به المنطقة كلها فإذا اشتدت عليها الرياح اهتز الجميع وإذا استقرت تنفس الجميع أمنا وطمأنينة

ومن هنا جاءت الكلمات التي همس بها المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لا باعتبارها خطابا عاطفيا وإنما باعتبارها قراءة رجل خبر السياسة وعرف دهاليزها وقرأ التاريخ قبل أن يقرأ الحاضر فهو يدرك أن الأمم لا تهزم دائما بالسلاح وإنما تهزم حين يتسلل الشك إلى قلوب أبنائها وحين يتحول الاختلاف إلى خصومة وحين تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة

إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس الفقر ولا قلة الموارد وإنما انهيار الثقة بين الدولة وشعبها فإذا انكسرت هذه الثقة أصبح المجتمع أرضا خصبة لكل عابث ولكل صاحب مشروع هدم ولكل من ينتظر لحظة الغفلة لينفذ منها إلى الداخل

ومصر عبر تاريخها الطويل لم تكن قوية لأنها تمتلك جيشا عظيما فقط بل لأنها كانت تمتلك شعبا يعرف أن جيشه ليس مؤسسة منفصلة عنه وإنما هو ابنه وأخوه وأبوه وأن الجندي الذي يقف على الحدود إنما يحمل على كتفيه أمن ملايين الأسر التي تنام مطمئنة

وكذلك الشرطة المصرية تحمل كل يوم أعباء ثقيلة في مواجهة الجريمة والإرهاب والفوضى وهي ليست خصما للمواطن وإنما شريك في حماية البيت المصري وكلما تعاون المجتمع معها ضاقت المساحة أمام دعاة الخراب واتسعت مساحة الأمن والاستقرار

إن الذين يصنعون الشائعات لا يريدون إقناع الناس بقدر ما يريدون إرباكهم لأن الإنسان حين يفقد يقينه يصبح أسهل قيادة من أي وقت مضى ولذلك فإن معركة الوعي تسبق معركة السياسة ومعركة الكلمة قد تكون أخطر من معركة الرصاص

وليس الاصطفاف الوطني الذي تحتاجه مصر اليوم دعوة إلى إلغاء الاختلاف ولا إلى إسكات الرأي وإنما هو اتفاق على أن الوطن يبقى فوق الجميع وأن الحوار أرقى من الصدام وأن الحكمة أقوى من الانفعال وأن الموعظة الحسنة أقدر على بناء النفوس من كل أصوات التحريض

إن الأمة التي تتنازع في لحظات الخطر تمنح خصومها ما عجزوا عن أخذه بالقوة أما الأمة التي تختلف ثم تجتمع فإنها تحبط كل مؤامرة قبل أن تولد

ولذلك فإن حماية مصر ليست مسؤولية الجيش وحده ولا الشرطة وحدها ولا الدولة وحدها وإنما مسؤولية كل مواطن يرفض أن يكون جسرا تعبر عليه الأكاذيب إلى وطنه أو نافذة يتسلل منها اليأس إلى قلوب الناس

إن الغرب يدرك قبل غيره أن استقرار مصر ركيزة لاستقرار الإقليم كله وأن اضطرابها لن يبقى داخل حدودها ولهذا كانت مصر دائما هدفا لمحاولات الاستنزاف ومحاولات التشكيك ومحاولات بث الفرقة بين أبنائها لكن التاريخ يعلمنا أن هذا الوطن كلما اشتدت عليه المحن خرج منها أكثر تماسكا لأنه يحمل في أعماقه حضارة لا تعرف الانكسار

ولا يمكن أن يحلم العرب بمشروع وحدوي حقيقي أو نهضة شاملة إلا إذا كانت مصر قوية مستقرة آمنة فالدور المصري ليس امتيازا منحته السياسة وإنما مسؤولية فرضها التاريخ والجغرافيا والثقافة ومكانة الإنسان المصري في وجدان أمته

فلنجعل من هذه المرحلة مرحلة وعي لا مرحلة انفعال ومرحلة بناء لا مرحلة هدم ومرحلة حوار لا مرحلة خصام وليكن الاصطفاف من أجل الوطن لا من أجل الأشخاص ومن أجل المستقبل لا من أجل المصالح الضيقة

فمصر ليست ملك جيل واحد ولا فئة واحدة ولا اتجاه واحد وإنما هي أمانة في أعناق الجميع ومن يحفظ الأمانة يحفظ نفسه ويحفظ أبناءه ويحفظ مستقبل أمته لأن الأوطان العظيمة لا تسقط من الخارج إلا بعد أن يتخلى عنها أهلها أما إذا ظل أبناؤها يدا واحدة فإن التاريخ كله يعجز عن كسر إرادتها.