
تابعتُ كجل أبناء البلد تفاصيل الخرجة الإعلامية لفخامة رئيس الجمهورية ولفت انتباهي سؤال مهم طرح معضلة الفساد واستفسر صاحبه، بعد تمهيد طبعته أحكام "مثبتة" بالنسبة له، عن متى ستوقفون الفساد؟
يكاد يُجمع المتابعون للشأن الوطني والكاتب أحدهم أن صاحب السؤال، الصحفي الهيبه ولد الشيخ سيداتي هو من أحسن ما أنجبت الساحة الإعلامية في بلادنا، كفاءة ومهنية وأخلاقا ورغم هذا فقد استغربتُ من صيغة التمهيد لسؤاله فلا هو بناه للمجهول من قبيل "يُحكى أن أقاربكم سيطروا على صفقات الطاقة والمعادن" أو من قبيل "متى ستوقفون ما يدعيه البعض من انتشار للفساد" ولا هو تساءل عن الأمرين بصيغة شواغل للسياسيين المعارضين أو لغيرهم من متتبعي الشأن العام وجاء تمهيده بالتالي أحكاما قطعية لا أخاله يختلف معي في أنها ليست من مهمة الإعلامي المهني.
وفي هذا المقام سأورد شهادة وأنا على يقين بما للشهادة من خطورة لما ورد في القرآن الكريم في أكثر من آية. نعم سأوردها وأنا المتحرر حاليا من أي عبء لوظيفة سامية ولست طالبا لمسؤولية عمومية لحاجتي في ترميم ما خلفته فترة انتدابي من مشاكل صحية وإعياء بدني.
الشهادة: كنتُ منذ أغشت 2024 وزيرا مكلفا بالاقتصاد والمالية ثم بعد ذلك بالزراعة والسيادة الغذائية قبل أن أخرج من التشكيل الحكومي منتصف مارس الماضي. لا يخفى عليكم ما للوزير في هاتين المسؤوليتين من إمكانات لخدمة وإثراء الغير إن هو اختار واقتنع بأن تزل قدمه أو أن يدوس على النصوص لحاجة مادية في نفسه أو تزلفا من مركز القرار.
لم يحدث ولا مرة واحدة أن وجّهني فخامة الرئيس لا في حديث مباشر ولا عبر الهاتف ولا كتابيا ولا عبر رسول بشأن منح امتياز لمقرب منه اجتماعياً.
وبالتالي هل يعقل أن يتجنب الرئيس إعطاء تعليمات وتوجيهات لوزرائه بشأن منح امتيازات لمقربين اجتماعيا منه ويفاتح بشأنها مسؤولين من الصف الثالث أو الرابع كمديري مؤسسات أو شركات عمومية في قطاعي الطاقة والمعادن أو غيرها وهم تحت وصاية وزراء؟ لا أعتقد أن هذا يستقيم كمنطق.
لقد أجاب فخامة الرئيس بالقول إنه حين يتعلق الأمر بالمصلحة العامة أو بالقانون لا قريب عنده ولا بعيد. هذا جواب مباشر وقوي ولكنه أيضا يرسل رسالة مهمة لكبار الموظفين العموميين والذين ينبغي حسب هذه الرسالة أن يتحصنوا بالنصوص القانونية وبالمصلحة العامة أمام محاولات استغلال النفوذ من بعض الأشخاص بحجة أنهم مقربين من رأس السلطة.
شخصيا لم أوافق خلال عملي وزيرا للمالية على تسوية ملفين لمقربين اجتماعياً من الرئيس وبالمناسبة وبحكم انتمائي الاجتماعي فهؤلاء أيضا مقربين مني، لم تتم التسوية لغياب بعض الوثائق التبريرية للنفقة ولم تتم أبدا مساءلتي عن الموضوع كما أنني لم أوظف أحد أبناء مقرب من الرئيس هو أيضا مقرب مني ونِعمَ القريب رغم حيازته مؤهلات جامعية عالية ورغم حاجة وزارة الاقتصاد لاختصاصه ولكن لم أرغب في توظيفه خارج المسابقات. أيضا لم أوقع على صفقة لاقتناء تجهيزات للزراعة (سياج ودعائم) بقيمة مالية معتبرة لوجود بند أجده معيبا في ملف المناقصة وهو البند الذي يتعلق بضرورة وجود خبرة مماثلة في تنفيذ مثل هذه الصفقات خلال أربع سنوات. وقد واجهت طاقمي بأن هذا البند يغلق المنافسة حيث أن الأمر يتعلق بتجهيزات لا تقتنيها بهذا الكم إلا الدولة وأن من تسند إليه هذه الصفقة سيتصرف كرسول نيابة عن الوزارة وباسمها لاقتناء التجهيزات المذكورة من السوق العالمية وإضافة عمولته الربحية على تكاليف الاقتناء (الثمن والنقل والتأمين والجمركة ) ولن يتم استلام بضاعته إلا بعد التأكد من المطابقة للمعايير وبالتالي وخلافا لبناء السدود أو بناء الطرقات فلا حاجة في مثل هذه الصفقة لخبرة فنية معينة ومثبتة كشرط للمنح وينبغي تقسيم الصفقة لتوسيع المنافسة ومحاربة الاحتكار في الاستفادة من موارد عمومية.
وبالعودة إلى سؤال الصحفي الهيبه فقد استغربت كيف لم تؤثر علاقته الوطيدة بشخصية سامية في الحكومة على أسلوب وصياغة سؤاله حول الفساد بما يضمن تجنب الأحكام المسبقة وإطلاق الكلام على عواهنه في موضوع الأقارب.
سأختم هنا بالإشارة إلى أن استغلال النفوذ كان منذ الاستقلال عش الفساد الأبرز وكان الفساد الناتج عنه يحصل في بعض الأحيان دون علم الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد. إن من لديه فكرة عن هويات جل المالكين للقطع الأرضية وللعقارات بقيمة مليارات الأوقية في وسط العاصمة ( انواكشوط القديم) وفي أحياء الميسورين التي بنيت فيما بعد (سوكوجيم وتفرغ زينه بمختلف تفرعاتها) ومن لديه فكرة عن المستفيدين من عمليات خوصصة المؤسسات العمومية خلال تسعينيات القرن الماضي ومن لديه فكرة عن قوائم المستفيدين من تمويلات القرض الزراعي قبل عقدين وعن قوائم المستفيدين من رخص الصيد و رخص منح القطع الأرضية ومن المصرفيين الذين راكموا ثروات عبر تدمير مؤسسات عمومية بواسطة تقنية الحساب البنكي المزدوج ومعدلات الفائدة خارج التصور، لا بد أنه سيدرك حجم وخطورة الفساد المرتبط باستغلال النفوذ خلال كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد وقد حان الوقت فعلا لوقف هذا المسار ولن يتم ذلك إلا بالاجتهاد في معايير إسناد المسؤولية العمومية لمن هم أجدر بالتكليف، كفاءة واستقامة.
الوزير السابق سيد أحمد ولد ابوه.




