بين الوفاء السياسي وسياسة الاستيعاب.. من يتذكر الجنود المجهولين؟

أربعاء, 08/05/2026 - 22:02

 

تتناقل الأوساط السياسية الموريتانية حكاية تُنسب إلى السياسي الحكيم محمد محمود ولد أماه، تقول إنه كان يشارك في مهرجان معارض لنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، فاعترضته سيدة من أحد أحياء الصفيح في نواكشوط، وأخذت تردد في وجهه، بقصد الاستفزاز: "عاش معاوي... عاش معاوي..."، فما كان منه إلا أن أجابها بهدوء وثقة: "أبگيتي انت بعد ماعشتي وبوك وأمك ماعاشو."
وسواء ثبتت هذه الرواية أو بقيت من النوادر السياسية المتداولة كحكاية طريفة، فإنها تحمل دلالة عميقة تتجاوز ظرفها الزمني، لأنها تكشف إحدى الحقائق الراسخة في الحياة السياسية، وهي أن الولاء للسلطة لا يعني بالضرورة أن صاحبه سيحظى بنصيب من ثمارها، وأن أكثر المتحمسين للدفاع عن الأنظمة قد يكونون آخر من يقطف نتائج انتصارها.
ويبدو أن هذا المعنى يفرض نفسه اليوم عند قراءة واقع شريحة واسعة من داعمي النظام الحالي، الذين انخرطوا منذ عام 2019  في الدفاع عن مشروعه السياسي، وشاركوا في الحملات الانتخابية، وتحملوا كلفة المواجهة الإعلامية والسياسية، واحتفلوا بكل استحقاق انتخابي باعتباره انتصارا لمشروع آمنوا به، لكن وبعد مرور سبع سنوات على الوصول إلى الحكم، يجد كثير منهم أنفسهم خارج دائرة الاعتبار، دون موقع، أو فرصة، أو حتى لفتة تقدير معنوية.
وفي المقابل، تكشف معظم محطات التعيين بعد الاستحقاقات الانتخابية عن ميل واضح إلى استيعاب شخصيات كانت حتى الأمس القريب على مسافة من المشروع السياسي للنظام، وهو خيار قد تفرضه حسابات توسيع الحاضنة السياسية، لكنه يتحول إلى مصدر للإحباط عندما يتم على حساب الذين ظلوا ثابتين في مواقعهم منذ البدايات.
إن استقطاب الخصوم ليس خطأً في ذاته، بل قد يكون ضرورة في العمل السياسي، لكن الخطأ يبدأ عندما يصبح الوفاء عبئا، ويصبح الثبات على الموقف سببا في التهميش، بينما يتحول الانتقال المتأخر إلى السلطة إلى أقصر الطرق نحو المناصب والمسؤوليات.
ولذلك، فإن أخطر ما قد تواجهه أي سلطة ليس معارضة خصومها، وإنما فتور حماس أنصارها، فالمعارض يمكن استمالته، أما القاعدة التي تشعر بأن تضحياتها ذهبت سدى، فإن استعادة ثقتها تصبح أكثر صعوبة، والسياسة في جوهرها ليست فقط فن كسب الأنصار الجدد، بل هي أيضًا فن المحافظة على الذين آمنوا بالمشروع منذ بدايته.
لقد أثبتت تجارب الدول أن الأنظمة التي تدير علاقتها مع أنصارها بمنطق الإنصاف والتقدير تضمن استقرارا أكبر، بينما يؤدي الشعور بالغبن داخل الصف المؤيد إلى حالة من اللامبالاة، وربما العزوف عن المشاركة، لأن الإنسان قد يصبر على قلة المكاسب، لكنه يصعب عليه أن يتقبل تجاهل تاريخه ووفائه.
ومن هنا فإن ذكرى سبع سنوات على تولي السلطة ينبغي ألا تكون مناسبة للاحتفاء بالمنجزات فقط، بل فرصة صادقة لمراجعة العلاقة مع القواعد التي حملت المشروع السياسي منذ لحظاته الأولى، والتمييز بين من حضر يوم كانت الكلفة مرتفعة ومن حضر عندما أصبحت المكاسب أقرب من التضحيات.
ولعل الرسالة التي تختزنها تلك الحكاية الشعبية المنسوبة لمحمد محمود ولد أماه ما تزال صالحة لكل زمان: فالهتاف للسلطة لا يصنع بالضرورة مستقبل صاحبه، أما الدول الرشيدة فهي التي تحفظ لأبنائها المخلصين مكانتهم، لأن الوفاء إذا لم يجد تقديرا تحول مع الزمن إلى خيبة، وخيبة الأنصار أخطر على أي مشروع سياسي من صخب المعارضين. 

أحمدو ولد محمد فال ولد أبيه 
ناشط سياسي/ مستشار جهوي بولاية الحوض الغربي عن حزب الإنصاف