دكتور رضا عبد السلام يكتب: هل يفلح الاقتصاد فيما فشلت فيه السياسة؟!

جمعة, 08/07/2026 - 08:31

 

حال الوضع والمشهد السياسي العربي لا يخفى على أحد؛ من فشل إلى فشل، وليس أدل على ذلك مما يفعله ترامب بالمنطقة وأهلها ومقدراتها، بمعاونة الكيان الباغي واللقيط.

هكذا كان حال دول أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، حيث الدمار الشامل والتمزق... إلخ.
وحينها فكرت الدول الأوروبية في طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة قوامها الرفاهية والخير للجميع. ولم تكن بدايتهم بإنشاء كيانات سياسية، بل بالاقتصاد... نعم، الاقتصاد.
هذه مقدمة لا بد منها....
فقد عقدت مؤسسة رسالة السلام العالمية ندوتها الكبرى والاستثنائية بمقرها بالقاهرة، برئاسة الإعلامي الكبير مجدي طنطاوي، وبحضور معالي الوزير والسفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، والعشرات من الرموز الثقافية والأدبية والوطنية الإسلامية والمسيحية، وذلك لمناقشة مشروع المفكر الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، الذي يستهدف تطوير جامعة الدول العربية كي تتمكن من انتشال الأمة مما هي فيه من حال لا يخفى على أحد في مشارق الأرض ومغاربها، وتشرفت بحضور هذا اللقاء.

وقد أدلى كل منا بدلوه خلال تلك الندوة الثرية، وركزت خلال مداخلتي على ضرورة أن تكون البداية بالاقتصاد؛ فالإقتصاد يسبق السياسة ويُهيئ المشهد لها.
على سبيل المثال، عُقدت اتفاقية الحديد والصلب عام 1957 بحضور سبع دول أوروبية، إلى أن تطورت وضمت 28 دولة، لا يفصل بينها فاصل، فيتحرك المواطن والمستثمر والمستهلك والباحث عن عمل بين هذه الدول وكأنه يتحرك داخل دولة واحدة.
قفزت مؤشرات دول أوروبا، فتطور هذا التجمع من عدد محدود من الدول واتفاقات محدودة إلى جماعة أوروبية، ثم مجموعة أوروبية، ثم اتحاد أوروبي، ثم منطقة اليورو.
واكب هذا النجاح الاقتصادي تحسنٌ في معدلات النمو، حفز المواطن الأوروبي وصانع السياسة والباحثين والعلماء على السعي لترسيخ هذا النجاح الاقتصادي من خلال تعزيز الوحدة السياسية والقانونية والقضائية، فنشأت وترعرعت المؤسسات الأوروبية، من برلمان أوروبي إلى محكمة أوروبا، ثم مجلس حقوق الإنسان.
فالمواطن الأوروبي الذي ذاق طعم الرفاهية الاقتصادية كان حريصًا على ضمان استدامتها، فأجبر صانع القرار السياسي على تعزيز دور المؤسسات السياسية الضامنة لهذا النجاح على مستوى الدول الـ28.
وكان القاسم المشترك خلال تلك الرحلة هو الإيمان بدولة القانون والكفاءات، والرغبة العارمة في تحقيق الرفاهية للإنسان وضمان استدامتها.
وبالأرقام التي لا تكذب، صعدت المبادلات والاستثمارات البينية بين دول الاتحاد الأوروبي من أقل من 10% إلى أكثر من 70% من إجمالي تجارتها واستثماراتها مع العالم.
إذا قارنا التجربة العربية بالتجربة الأوروبية، سندرك حجم الكارثة التي نرزح فيها على المستوى العربي؛ فقد بدأنا بالسياسة قبل الاقتصاد، فلم نفلح في السياسة، ولم نفلح في الاقتصاد. وضعنا ميثاقًا غير مسبوق، واتفاقات سبقت نشأة الاتحاد الأوروبي بنحو عشر سنوات، واتفاقية دفاع عربي مشترك، ومجلس وحدة اقتصادية... فماذا كان الحصاد؟!
كان الحصاد صفرًا كبيرًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وبدلًا من أن تكون الجامعة أداة لتحقيق أحلام وطموحات الشعوب، تحولت إلى تجمع للحكام من عام إلى عام.
والأرقام لا تكذب؛ فليس عليك إلا أن تنظر إلى حجم التجارة والاستثمارات العربية البينية لتدرك حجم الكارثة قياسًا بالنموذج الأوروبي المشرف؛ إذ لا يتجاوز حجم التجارة البينية من 9 %إلى 10% من إجمالي تجارة العرب مع العالم، أما الاستثمارات البينية فلا تتجاوز 5% من إجمالي الاستثمارات الخارجية العربية.
ولهذا خرجنا من هذه الندوة الثرية بتوصية رئيسية تتمثل في التنسيق مع جامعة الدول العربية لعقد مؤتمر عربي جامع، ترتب له مؤسسة رسالة السلام العالمية، ويكون التركيز فيه على الشأن الاقتصادي، أسوة بالتجربة الأوروبية التي يشار إليها بالبنان، وبما يتوافق مع منظومة قيمنا الإسلامية والعربية الأصيلة.
ونسأل الله التوفيق والسداد.

كاتب المقال: أ.د. رضا عبد السلام
عضو مجلس النواب المصري ومحافظ الشرقية الأسبق.