د. حسن حماد يكتب: مفهوم الجهاد في فكر علي الشرفاء الحمادي

جمعة, 09/11/2026 - 15:52

من أكثر المفاهيم التي يُوصم الإسلام من خلالها بالعنف مفهومُ «الجهاد». تُرى، ما حقيقة مفهوم الجهاد على النحو الذي جاء به القرآن الكريم، بوصفه المرجعية الأصلية للمسلمين؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في سياق فهم فكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لمفهوم الجهاد في الإسلام.
وردت في القرآن الكريم آيات عديدة ذُكر فيها الجهاد، ومعانيها لا تنصرف بالضرورة إلى القتال بالسيف أو غيره من وسائل القتال، إذ إن القرآن الكريم لم يأمر المسلمين بإجبار الناس على الدخول في الإسلام، بل قرر مبدأ حرية الاعتقاد ونبذ الإكراه في الدين.
ومن الآيات التي تذكر الجهاد قوله تعالى:
{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفرقان: 52).
وتحث هذه الآية على مجاهدة الكافرين بالقرآن والحجة والبيان، وعدم مسايرتهم فيما يخالف رسالة الله، وهو ما يفتح مفهوم الجهاد على معنى بذل الجهد في الدعوة والإقناع والاستدلال بآيات الله.
والآية الثانية قوله تعالى:
{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت: 6).
ومعنى الجهاد هنا هو بذل الجهد والطاقة وتحمل المشقة في سبيل الالتزام بأوامر الله سبحانه وتعالى، ومجاهدة النفس وتطويعها لتطبيق مبادئ المنهج الإلهي، بما يرتقي بشخصية الإنسان في عبادته وأخلاقه وحياته.
أما الآية الثالثة فهي قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69).
وتحمل هذه الآية، في هذا السياق، معنى بذل الجهد في طاعة الله والقيام بالتكاليف والعبادات وأعمال الخير والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مصداقًا لقوله تعالى:
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125).
إن الجهاد بهذا المعنى هو تحمل المشاق في سبيل الله، والصبر على أعبائه، ومجاهدة النفس وكبح جماحها لمنعها من السقوط في المعصية. ومن ثم، فإن الجهاد، وفق هذه الرؤية، ليس دعوة إلى الاعتداء على الناس، وإنما هو إيصال رسالة الإسلام وما ينفع الناس، والسعي الدؤوب بالفكر والكتاب والوعظ لنشر قيم المحبة والتعاون والسلام بين جميع البشر على هذه الأرض.
إن الله يريد لعباده البر والتقوى والتعاون، مصداقًا لقوله تعالى:
{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2).
وهذه الصورة المشرقة للإسلام التي يعرض لها الأستاذ علي الشرفاء الحمادي في كتاباته، تختلف تمامًا عن الصورة المنفرة التي يرى أنها نتجت عن بعض المرويات والتفسيرات الفقهية التي أسهمت، في نظره، في تقديم صورة مشوهة ومغلوطة عن الإسلام.
ويستشهد أصحاب هذا الاتجاه بعدد من الأحاديث والمرويات المنسوبة إلى الرسول، والتي يرون أنها لا تتفق مع المبادئ القرآنية، ومن بينها ما يُروى بلفظ: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق»، وكذلك الحديث المشهور: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة...» وكذلك ما يُنسب إلى النبي من قول: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي».
ويرى الأستاذ علي الشرفاء الحمادي أن مثل هذه المرويات لا ينبغي أن تُتخذ أساسًا لتقديم الإسلام باعتباره دينًا يدعو إلى العنف أو القتل أو التوسع والسيطرة، مؤكدًا ضرورة عرض الدين من خلال ما يقرره القرآن الكريم من مبادئ العدل والرحمة والحرية والسلام 
وعلى الرغم من قوله تعالى:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256)،
فإن بعض التفسيرات الفقهية ذهبت إلى رؤى مختلفة في مسألة الإكراه، ومن ذلك ما نُقل عن  ابن تيمية في هذا السياق، حيث تحدث عن الإكراه باعتباره قد يكون، في تصوره، إكراهًا بحق، وذكر من أمثلته إلزام من يرى وجوب إلزامه ببعض الواجبات، كما تناول مسألة إكراه الكافر على الإسلام أو أداء الجزية، وإكراه المرتد على العودة إلى الإسلام، وغير ذلك من المسائل التي أثارت جدلًا واسعًا في التراث الفقهي.
ويرى الشرفاء الحمادي أن مثل هذه الرؤى تتعارض مع المبادئ القرآنية التي تؤكد أن الإيمان قضية تتصل باختيار الإنسان وعلاقته بربه، وأن مهمة الرسول هي البلاغ والبيان، وليس فرض الإيمان على الناس أو ممارسة الوصاية على ضمائرهم.
ولهذا يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله قائلًا:
{أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99).
ويقول سبحانه:
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} (الكهف: 29).
ومن هذا المنطلق، فإن الرجوع إلى تعاليم ومبادئ الإسلام، وفق رؤية الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، يقتضي العودة إلى القرآن الكريم وتدبر آياته، باعتباره المرجعية الأساسية التي ينبغي أن تُعرض في ضوئها التصورات المتعلقة بالعقيدة والعبادة والأخلاق والعلاقات الإنسانية.
أما المرويات والتفسيرات التي يرى الشرفاء الحمادي أنها تتعارض مع النص القرآني ومبادئه في الحرية والعدل والرحمة والسلام، فلا ينبغي أن تكون سببًا في تقديم صورة عن الإسلام تناقض جوهر رسالته، أو تجعل الدين مرتبطًا بالعنف والإكراه والعدوان.
وهكذا يقدم مفهوم الجهاد في فكر علي الشرفاء الحمادي باعتباره جهادًا للإنسان في سبيل إصلاح نفسه، وبذل الجهد في الخير، والدعوة بالحكمة، ونشر قيم الرحمة والعدل والسلام، لا ذريعة للاعتداء على الآخرين أو إكراههم على اعتقاد لا يؤمنون به.