
ليس تعميم وزير الثقافة، محمد ولد ببانه، بشأن اعتماد اللغة العربية في المراسلات الإدارية مجرد إجراء تنظيمي عابر؛ بل هو خطوة تستحق النقاش الجاد، لما تحمله من دلالات تتصل بمكانة اللغة العربية في الإدارة الوطنية، وبحقها في أن تكون لغة عمل ومخاطبة في بلد ارتبط اسمه تاريخياً ببلاد شنقيط، ومنه انتشرت علوم العربية والفقه والأدب.
إن العربية ليست لغة تراث نحتفي به في المناسبات، ولا قصائد نستحضرها في المحافل، ثم نتراجع عن استعمالها حين يتعلق الأمر بمكاتب الإدارة ومراسلاتها. إنها لغة رسمية للدولة، ومن الطبيعي أن تجد مكانها المستحق في وثائقها ومعاملاتها، بما يعزز الانسجام بين الهوية الدستورية والممارسة الإدارية.
أما الذين ينتقدون هذا التوجه بدعوى الدفاع عن الفرنسية، فإن النقاش معهم ينبغي أن يكون واضحاً وهادئاً: اعتماد العربية لا يعني محاربة الفرنسية، والاعتزاز بلغة الوطن لا يستلزم الانتقاص من أي لغة أخرى. فتعلم اللغات الأجنبية والانفتاح عليها مكسب علمي وثقافي، لكن تحويلها إلى حاجز أمام حضور العربية في الإدارة أمر يحتاج إلى مراجعة.
إن المشكلة ليست في إتقان الفرنسية، فذلك حق ومهارة نافعة، وإنما في أن تصبح اللغة الأجنبية، في نظر البعض، معياراً ضمنياً للرقي والكفاءة، بينما تُعامل العربية وكأنها عبء إداري أو خيار ثانوي. وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف نطالب الأجيال بالاعتزاز بلغتها، إذا كانت بعض الممارسات الإدارية توحي بأن التقدم لا يتحقق إلا بالابتعاد عنها؟
ومع ذلك، فإن نجاح هذا الإجراء لا يتحقق بالتعميم وحده، ولا بالمزايدات اللغوية، بل يحتاج إلى تكوين الموظفين، وتوفير النماذج والوسائل التقنية، وضمان جودة الترجمة عند الحاجة، واحترام التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع الموريتاني، حتى يكون تطبيقه عملياً ومنصفاً وفعالاً.
إن وزير الثقافة، بهذا التوجه، يفتح باباً لإعادة الاعتبار إلى العربية في مجال يفترض أن تكون فيه حاضرة بقوة. والعبرة ليست في إصدار التعليمات فحسب، بل في تحويلها إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، لا تتغير بتغير المسؤولين.
يا أبناء شنقيط، إن اللغة التي حفظت ذاكرتنا العلمية والحضارية تستحق أن تكون حاضرة في حاضرنا الإداري، لا أن تبقى أسيرة أمجاد الماضي. فلا تجعلوا الدفاع عنها خصومة مع اللغات، ولا تجعلوا الانفتاح على العالم ذريعة للتنكر للذات؛ فالأمم الواثقة من هويتها تتعلم لغات الآخرين، لكنها لا تستحي من لغتها.
فهل نريد العربية زينةً في الخطب، أم لغةً حاضرة في مؤسسات الدولة وقراراتها ومراسلاتها؟ ذلك هو السؤال الحقيقي، وتلك هي قيمة هذا الإجراء حين يُنفّذ بمسؤولية وجدية




