مِنْ مَايْكِلْ هَارْت إِلَى عَلِيِّ الشَّرْفَاءِ الْحَمَادِي.. عَظَمَةُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَهَادَةُ التَّارِيخِ عَلَى رِسَالَةِ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ بقلم/ عبد الرحمن نوح

سبت, 11/07/2026 - 21:04

قِرَاءَةٌ بَيْنَ شَهَادَةِ الْمُفَكِّرِ الْأَمْرِيكِيِّ مَايْكِلْ هَارْت وَرُؤْيَةِ الْمُفَكِّرِ الْعَرَبِيِّ عَلِيِّ مُحَمَّدِ الشَّرْفَاءِ الْحَمَادِي

لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُصَادَفَةِ أَنْ يَتَصَدَّرَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَائِمَةَ أَكْثَرِ مِائَةِ شَخْصِيَّةٍ تَأْثِيرًا فِي التَّارِيخِ، وَفْقَ تَصْنِيفِ الْكَاتِبِ وَالْمُفَكِّرِ الْأَمْرِيكِيِّ مَايْكِلْ هَارْت، فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ: "الْمِائَةُ: تَرْتِيبُ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ تَأْثِيرًا فِي التَّارِيخِ"، وهذا هو العُنوَان الحَرفِي المُتَرجَم، أو "الْخَالِدُونَ مِائَةٌ أَعْظَمُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" -وهُو عُنوَان النُسْخَة العَربيَّة المَشْهُورَة للكَاتب أنيس مَنصُور- فَهَذَا الِاخْتِيَارُ، الصَّادِرُ عَنْ كَاتِبٍ أمْرِيكِي، يَعْكِسُ قِرَاءَةً تَارِيخِيَّةً لِحَجْمِ التَّأْثِيرِ الَّذِي أَحْدَثَهُ الرَّسُولُ فِي مَسِيرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ عَمِيقٍ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَتَأْسِيسِ حَضَارَةٍ امْتَدَّ أَثَرُهَا عَبْرَ الْقُرُونِ وَالْقَارَّاتِ.
لَقَدْ تَوَقَّفَ مَايْكِلْ هَارْت عِنْدَ خُصُوصِيَّةِ شَخْصِيَّةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مُعْتَبِرًا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ التَّأْثِيرِ الدِّينِيِّ وَالتَّأْثِيرِ الدُّنْيَوِيِّ فِي صُورَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ فِي التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ، وَرَأَى أَنَّ اجْتِمَاعَ هَذَيْنِ الْبُعْدَيْنِ فِي شَخْصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ دِينِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ، يَمْنَحَانِهِ مَوْقِعًا مُتَقَدِّمًا يَتَجَاوَزُ غَيْرَهُ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَهِيَ مُلَاحَظَةٌ تَفْتَحُ بَابًا وَاسِعًا لِلتَّأَمُّلِ فِي طَبِيعَةِ الرِّسَالَةِ الَّتِي حَمَلَهَا الرَّسُولُ، وَفِي قُدْرَتِهَا عَلَى تَغْيِيرِ مَسَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَصِيَاغَةِ مَنْظُومَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الْقِيَمِ وَالْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
لَكِنَّ عَظَمَةَ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ تُقَاسُ بِحَجْمِ التَّأْثِيرِ التَّارِيخِيِّ وَأَيْضًا تَتَّصِلُ بِعَظَمَةِ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي حَمَّلَهُ اللَّهُ أَمَانَةَ تَبْلِيغِهَا، وَبِالْقِيَمِ الَّتِي جَاءَتْ لِتَرْسِيخِهَا فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ؛ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ، وَصِيَانَةِ الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَإِقْرَارِ حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ، وَنَشْرِ الرَّحْمَةِ وَالسَّلَام؛ فَالرِّسَالَةُ الْإِلَهِيَّةُ وَاحِدَةٌ فِي جَوْهَرِهَا، حَمَلَهَا جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَدَعَوْا مِنْ خِلَالِهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَالتَّحَرُّرِ مِنْ كُلِّ أَشْكَالِ الِاسْتِعْبَادِ لِغَيْرِ الْخَالِقِ، وَإِقَامَةِ حَيَاةٍ إِنْسَانِيَّةٍ يَسُودُهَا الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ.
فِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَصدَّرُ وتَتَقدَّمُ رُؤْيَةُ الْمُفَكِّرِ الْعَرَبِيِّ عَلِيِّ مُحَمَّدِ الشَّرْفَاءِ الْحَمَادِي، الَّذِي جَعَلَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِحْوَرًا لِمَشْرُوعِهِ الْفِكْرِيِّ وَالْإِصْلَاحِيِّ، وَدَعَا إِلَى اسْتِعَادَةِ الْمَعَانِي الْأَصِيلَةِ لِلْخِطَابِ الْإِلَهِيِّ، بَعِيدًا عَنِ الْغُلُوِّ وَالتَّعَصُّبِ وَالتَّوْظِيفِ السِّيَاسِيِّ لِلإسْلَامِ، وَعَنْ كُلِّ مَا تَرَاكَمَ مِنِ آرَاءٍ ورِوَايَاتٍ بَشَرِيَّةٍ أَسْهَمَتْ فِي حَجْبِ مَقَاصِدِ الرِّسَالَةِ وَتَشْوِيهِ صُورَتِهَا.
وَتَنْطَلِقُ رُؤْيَةُ الشَّرْفَاءِ مِنْ حَقِيقَةٍ قُرْآنِيَّةٍ مِحْوَرِيَّةٍ، هِيَ وَحْدَةُ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا جَمِيعَ رُسُلِهِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي جَوْهَرِهِ دَعْوَةٌ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ وَإِقَامَةِ السَّلَامِ وَالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ مِلْكًا لِجَمَاعَةٍ أَوْ طَائِفَةٍ أَوْ أُمَّةٍ تَحْتَكِرُ لِنَفْسِهَا حَقَّ تَمْثِيلِهِ.
لِذا تَأْتِي دَعْوَتُهُ إِلَى تَحْرِيرِ الْعُقُولِ مِنَ الْمَوْرُوثَاتِ الَّتِي صَنَعَتِ الِانْقِسَامَ وَالتَّنَاحُرَ، وَالْعَوْدَةِ إِلَى الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِهِ الْمَرْجِعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الْحَاكِمَةَ لِفَهْمِ رِسَالةِ الإسْلامِ، وَاسْتِعَادَةِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ قِيَمِ الرَّحْمَةِ وَالتَّسَامُحِ وَالتَّعَايُشِ وَصَوْنِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
تَظْهَرُ إذَنْ مَسَاحَةُ الِالْتِقَاءِ بَيْنَ قِرَاءَةِ مَايْكِلْ هَارْت وَمَشْرُوعِ المُفَكِّر عَلِيِّ الشَّرْفَاءِ الْحَمَادِي؛ فَهَارْت يَكْشِفُ، مِنْ خِلَالِ قِرَاءَتِهِ لِلتَّارِيخِ، حَجْمَ التَّحَوُّلِ الَّذِي أَحْدَثَهُ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَ الأسْتَاذُ الشَّرْفَاءُ يَدْعُو إِلَى العَودَةِ إلَى الْقِيَمِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا هَذَا التَّحَوُّلُ مِنْ مَنْبَعِهَا الْقُرْآنِيِّ، وَإِذَا كَانَ هَارْت قَدْ لَفَتَ الِانْتِبَاهَ إِلَى عَظَمَةِ الْأَثَرِ، فَإِنَّ الشُّرْفَاءَ يَتَجَاوَزُ قِرَاءَةَ الْأَثَرِ إِلَى تَحْدِيدِ مَصْدَرِ الرِّسَالَةِ وَمَقَاصِدِهَا، وَإِلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِعَادَةِ دَوْرِهَا فِي إِصْلَاحِ الْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ.
وَلَا يَعْنِي هَذَا الِالْتِقَاءَ تَطَابُقَ الرُّؤْيَتَيْنِ أَوِ اتِّحَادَ مَرْجِعِيَّتِهِمَا؛ فَهُنَا تَكْمُنُ أَيْضًا نُقْطَةُ الِافْتِرَاقِ الْجَوْهَرِيَّةُ؛ فَمَايْكِلْ هَارْت يَنْطَلِقُ مِنْ مَنْظُورٍ تَارِيخِيٍّ يَقِيسُ مَكَانَةَ الشَّخْصِيَّاتِ بِمِقْدَارِ مَا أَحْدَثَتْهُ مِنْ تَأْثِيرٍ فِي مَسَارِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَصْدَرَ الْوَحْيِ أَوْ حَقِيقَةَ الرِّسَالَةِ مِنْ مُنْطَلَقٍ قُرْآنِيٍّ، أَمَّا الشَّرْفَاءُ فَيَنْطَلِقُ مِنَ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِهِ كَلَامَ اللَّهِ وَمَرْجِعِيَّةَ الْحَقِيقَةِ، وَيَرَى أَنَّ فَهْمَ مَكَانَةِ الرَّسُولِ وَعَظَمَةِ دَوْرِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خِلَالِ الْآيَاتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ، لَا مِنْ خِلَالِ تَصَوُّرَاتٍ بَشَرِيَّةٍ أَوْ رِوَايَاتٍ تُنَازِعُ الْقُرْآنَ مَرْجِعِيَّتَهُ.
وَيَظْهَرُ هَذَا الِافْتِرَاقُ بِوُضُوحٍ فِي تَفْسِيرِ هَارْت لِطَبِيعَةِ الْقُرْآنِ؛ إِذْ يَنْسِبُ إِلَى الرَّسُول مُحَمَّدٍ تَأْلِيفَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَهِيَ رُؤْيَةٌ لَا تَتَّفِقُ مَعَ الْحَقِيقَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ مَا عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
كَمَا أَنَّ تَنَاوُلَ هَارْت لِلْإِسْلَامِ بِاعْتِبَارِهِ دِينًا نَشَأَ عَلَى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَخْتَلِفُ عَنْ رُؤْيَةِ الأُسْتاذ الشَّرْفَاءِ لِوَحْدَةِ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ، الَّتِي حَمَلَهَا جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَمُبَيِّنًا لِمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ سُبحَانَه مِنَ الْهُدَى لِلنَّاسِ.
وَمِنَ الْإِنْصَافِ أَلَّا نُحَمِّلَ هَارْت مَا لَمْ يَقُلْهُ؛ فَهُو قَدَّمَ تَقْيِيمًا لِلتَّأْثِيرِ التَّارِيخِيِّ ، ولَمْ يُقَدِّمْ دِرَاسَةً لِلْوَحْيِ أَوْ لِوَحْدَةِ الرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَمْ يَتَبَنَّ مَشْرُوعَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْقُرْآنِ، وعَلَى ضَوءِ ذلِكَ تَأْتِي قِيمَةُ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ؛ أَنْ نَأْخُذَ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَا يَشْهَدُ لَهُ التَّارِيخُ مِنْ عَظَمَةِ الْأَثَرِ، مَعَ الِاحْتِفَاظِ بِحَقِّ الِاخْتِلَافِ مَعَهُ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْوَحْيِ وَمَصْدَرِ الْقُرْآنِ وَجَوْهَرِ الرِّسَالَةِ، فَالِانْفِتَاحُ عَلَى قِرَاءَاتِ الْآخَرِينَ لَا يَعْنِي التَّنَازُلَ عَنِ الْمَرْجِعِيَّةِ، وَالْحِوَارُ الْفِكْرِيُّ الْمُتَوَازِنُ يَسْتَوْجِبُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ مَا يَثْبُتُ بِالْبَحْثِ التَّارِيخِيِّ وَمَا يُحْسَمُ بِالْمَرْجِعِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ مَشْرُوعِ المُفَكِّر الكَبِير الأسْتاذ الشَّرْفَاءِ فِي أَنَّهُ يَطْرَحُ مُرَاجَعَةً جَذْرِيَّةً لِمَصَادِرِ الْفَهْمِ والتَلقِّي، وَيُعِيدُ تَوْجِيهَ الِاهْتِمَامِ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِاعْتِبَارِهِ خِطَابَ اللَّهِ لِلنَّاسِ، بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ مَبَادِئَ تُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْخُضُوعِ لِلْبَشَرِ، وَتُرَسِّخُ مَسْؤُولِيَّتَهُ عَنْ اخْتِيَارَاتِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَتُؤَسِّسُ لِعَلَاقَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ قَوَامُهَا الْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ وَاحْتِرَامُ حَقِّ الِاخْتِلَافِ، فَضْلًا عَنْ الدَّعْوَةِ إِلَى تَصْويب الْخِطَابِ وَتَحْسِينِ صُورَةِ الإسْلام أَمَامَ الْعَالَمِ.
وَلَعَلَّ امْتِدَادَ أَفْكَارِ عَلِيِّ الشَّرْفَاءِ الْحَمَادِي وَمُبَادَرَاتِ مُؤَسَّسَةِ رِسَالَةِ السَّلَامِ الْعَالَمِيَّةِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ قَارَّةٍ، بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَعْوَةٍ إِلَى السَّلَامِ وَالتَّسَامُحِ وَالْعَوْدَةِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، يَعْكِسُ أَهَمِّيَّةَ الْحِوَارِ حَوْلَ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي عَالَمٍ تَتَزَايَدُ فِيهِ الْحَاجَةُ إِلَى خِطَابٍ يُوَاجِهُ الْكَرَاهِيَةَ بِالتَّرَاحُمِ، وَالتَّطَرُّفَ بِالْوَعْيِ، وَالظُّلْمَ بِالْعَدْلِ، فَالْأَفْكَارُ تُقَاسُ بِمَا تَسْتَطِيعُ إِحْدَاثَهُ مِنْ تَحَوُّلٍ فِي الْوَعْيِ وَالسُّلُوكِ، وَبِمَا تُقَدِّمُهُ مِنْ حُلُولٍ لِأَزَمَاتِ الْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ، لَا بِمُجَرَّدِ انْتِشَارِهَا.
الْعَالَمُ الْيَوْمَ، بِمَا يَشْهَدُهُ مِنْ حُرُوبٍ وَانْقِسَامَاتٍ وَصِرَاعَاتٍ دِينِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ، أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى اسْتِعَادَةِ الْهَدْيِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَى فَهْمِ رِسَالَةِ اللَّهِ بِاعْتِبَارِهَا دَعْوَةً إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالسَّلَامِ؛ فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُقَدِّمُ تَصَوُّرًا إِنْسَانِيًّا يَحْفَظُ لِلْإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ، وَيَصُونُ حَقَّهُ فِي الِاعْتِقَادِ وَالِاخْتِيَارِ، وَيَرْفُضُ الِاعْتِدَاءَ وَالظُّلْمَ وَالْإِكْرَاهَ، وَيَجْعَلُ اخْتِلَافَ الْبَشَرِ فِي مُعْتَقَدَاتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ مَدْخَلًا لِلتَّعَارُفِ وَالتَّعَاوُنِ، لَا ذَرِيعَةً لِلصِّرَاعِ وَالْإِقْصَاءِ.
تُمَثِّلُ إذَنْ شَهَادَةُ مَايْكِلْ هَارْت مَدْخَلًا تَارِيخِيًّا لِلتَّعَرُّفِ عَلَى حَجْمِ التَّأْثِيرِ الَّذِي أَحْدَثَهُ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي مَسِيرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فِيمَا تُقَدِّمُ رُؤْيَةُ عَلِيِّ الشَّرْفَاءِ الْحَمَادِي مَدْخَلًا فِكْرِيًّا وَقُرْآنِيًّا لِاسْتِعَادَةِ جَوْهَرِ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَقَاصِدِهَا، وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِصْلَاحِ الْقُرْآنِيِّ تَتَجَدَّدُ الْحَاجَةُ إِلَى إِعَادَةِ اكْتِشَافِ الْقِيَمِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ جَمِيعًا، وَإِلَى تَحْرِيرِ الإسْلَامِ مِمَّا أَلْحَقَتْهُ بِهِ الصِّرَاعَاتُ وَالْمَصَالِحُ الْبَشَرِيَّةُ.
تَسْتَمِدُّ عَظَمَةَ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعْنَاهَا مِنْ عَظَمَةِ الرِّسَالَةِ الَّتِي بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ، وَمِنَ الْهِدَايَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لِلْبَشَرِيَّةِ، وَمِنَ الْقِيَمِ الَّتِي تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِيءَ طَرِيقَ الْإِنْسَانِ نَحْوَ عِبَادَةِ خَالِقِهِ، وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ، وَصِيَانَةِ الْكَرَامَةِ، وَصِنَاعَةِ السَّلَامِ، لَا مِنَ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي كِتَابٍ عَنْ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ تَأْثِيرًا فِي التَّارِيخِ.
وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).