عبد الله محمدي يكتب عن روبرت فيسك: رجل لا يتكرر عبد الله محمدي

ثلاثاء, 01/12/2021 - 18:25

 

تعرفت على الصحافي البريطاني روبرت فيسك منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، قارئا له عبر ما تترجمه صحف كويتية عن صحف بريطانية. أعجبتني على الدوام براعته في الوصف الذي يعكس الوقائع بدقة واقتصاد وذكاء، وقدرته على البقاء على حياد في قضايا شائكة، دون وصاية قبلية على القارىء، تاركا له حرية التأويل وصياغة موقفه الأخلاقي أو السياسي.

شدتني إليه أيضا طريقته في تغطية الأحداث حد التماهي معها، وفي هذه الحالة، يجعلك فيسك ترى حقيقة وأحداث عالمنا من خلال عينيه، وعبر أسلوبه الرائق الذي يلامس أدق مشاعر الإنسان في صراعه ضد الظلم والعنف، وفي رغبته للعيش في عالم آمن مستقر، لذلك أسريت في نفسي أن يكون فيسك هو النموذج الذي سأبنيه لنفسي حين أكون صحفيا في المستقبل.

حدث هذا في وقت مبكر، لكن مع التقدم في السن والتجربة أكبرت فيه حدته أحيانا، وربما هو حماس من يشارك في الأحداث والوقائع دون أن يفقد إنسانيته ومشاعره خلف حياد مقنع، لذلك، أتفهم أحيانا ذلك التناقض الفج الذي يبرزه فيسك بين ما هو واقع بالفعل على الأرض، وما يروجه الطرف الآخر عن القضية، أية قضية.

بقيت على إعجابي به دون أن أراه بالعين، حتى التقيت به ذات فجر قارس في صحراء الكويت مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي، وهو يعنف نقيبا أمريكيًا متعجرفا خطر له أن يسوقنا مثل  القطيع، نحن مجموعة من الصحفيين، في المنطقة القريبة من الحدود مع العراق.

وقفنا طويلا أمام دبابة أمريكية كانت تدور حول نفسها وتناور في مخبئها، بينما يجاهد قائدها الشاب للخروج بها من الوحل أمام جيش مواز من كاميرات التلفزيون، قلت في سري لا بد لفيسك من هذه التفاصيل لتلوين قصته غدا على «الاندبندنت»، وهذا سيزيدها بهاء، وكان له ذلك فعلا، وقتها خطرت ببالي تلك التقارير التي كان يكتبها أرنست هيمنجواي وهو على الجبهة في سنوات الحرب الكبرى. عندها زاد إعجابي بفيسك، فقد كان منذ البدء قد بنى لمرجعيته نموذجا ومثالا يحتذى.

تبادلنا حديثا مختصرا قبل أن تنقلنا حوامات إلى بارجة عسكرية أمريكية في عرض الخليج.

لكني بقيت أقرأ له ما تيسر من حين لآخر، قبل لقائنا التالي مجددا في الجزائر.

جاء صحفيون كثر لتغطية أول انتخابات في العشرية السوداء الجزائرية. العسكري اليامين زروال كان وقتئذ على رأس الدولة، والحركة الإسلامية ومحفوظ نحناح في الطرف المقابل.

كنا جميعا نعرف النتائج المسبقة لانتخابات كهذه، لكنها كانت فرصة لمعظم الصحفيين لتغطية ما يحدث في الجزائر التي كانت تتحالف قوتان لإغلاقها أمام أعين الصحفيين: السلطة العسكرية الحساسة جدا تجاه  الصحفيين الأجانب، والجماعات المسلحة التي كانت تبحث عن ضحية، وخصوصًا من بين الصحفيين.

بدأ فيسك رحلته من البليدة، وهي من أكثر المناطق سخونة في المواجهة بين العسكر والجماعات. وككل الصحفيين الذين يريدون التنقل، وضعت الدولة حماية إجبارية من رجال الدرك برفقته، غير أنه عند تخوم المدينة جاءت المفاجاة التي كان يحلم بها فيسك !

اشتبك حماته من رجال الدرك مع مسلحين إسلاميين، وبدا المشهد محققا لما أراد أيضا.. قصة المواجهة كان فيسك الشاهد الوحيد عليها. كان فيسك، في هذه الحالة، مثل صياد وحيد يقف في مجرى النهر، يرمي الطعم ويلتقط الأسماك دون توقف.

عقب الانتخابات الجزائرية التقيته مجددا.

جلس بيني وبين صحفي من جريدة «أخبار اليوم» المصرية في باص امتلأ بصحفيين من جنسيات مختلفة. لا أحد منا كان يعرف الوجهة التي كانوا سيحملوننا إليها وما هو الهدف. قيل لنا فقط إننا سنشهد حدثا مهما.

توقف الباص عند سور قديم ثبتت عند بابه بوابة إلكترونية، وتولت فرقة من الجيش تفتيشنا تفتيشا دقيقا. كان المكان مثلما عرفنا لاحقا غير بعيد من قصر المرادية. أدخلونا زرافات ووحدانا ثم دلفنا إلى باحة كبيرة، ووقفنا نرقب صفوفا طويلة من الذين قيل لنا إنهم شباب سيلقي الرئيس خطابه أمامهم.

كانوا شبانا من نفس العمر تقريبا، وربما نفس القامة، يرتدون بذلات أنيقة وأحذية مصقولة. انتظموا في  صفوف، واستمعنا جميعا للرئيس الذي جاء وسط كوكبة من حراسه. لكن من فرط حماسة هؤلاء الشباب أطلقوا الرصاص في الهواء ابتهاجا.

وجد فيسك قصة رائعة، والتقط صورا بعدسة كاميرته الملفوفة حول العنق. أذكر وقتها أنني كتبت قصة وصفية لحماس الشباب الجنود مما أثار امتعاض السلطات الجزائرية.

لكن تلك لم تكن قصة فيسك الوحيدة، ففي مساء يوم آخر قرر الجيش إظهار أن الجزائر العاصمة مدينة آمنة، ولأجل ذلك نظم جولة للصحفيين الذين كانت تؤمنهم وحدات حماية خاصة. في لحظة ما دخلنا إلى قاعدة كبيرة تصطف فيها المدرعات التي كانت تتخذ من إحدى الساحات موقعا لها في ليل الجزائر البهيم، وهناك وجد فيسك ضالته وقال: «إن السلام  الذي تحرسه الدبابات، ليس إلا لحظة استراحة المحارب».

كان هم مرافقينا إعادة  شحننا في السيارات بأقل الخسائر، وفي الصباح الموالي أفردت «الاندبندنت» صفحتها الأولى لفيسك الذي روى بأسلوبه الجميل عن ما رأى في ليل الجزائر، وعن جهادها في سبيل وقف الدم الذي جرى طوال عقد من الزمن.

بعد ذلك بفترة كافية، التقيت فيسك مجددا. كنت أغطي مهمة جيمس بيكر في مخيمات جبهة  البوليساريو، منتدبا من قناة الجزيرة القطرية.

طلبنا لقاء الجنود المغاربة الأسرى لدى الجبهة فوجدناهم بملابس جديدة، يلعبون كرة القدم، وهو ما أثار سخرية فيسك وغضبه، وكأنه أحس بزيف التمثيلية التي تلجأ لها عادة السلطة، أيا كانت، لتجميل فعلها. أعتقد أنه ختم قصته وقتها بعبارة ما زالت راسخة في الذهن: «كيف لهم أن يبتهجوا وهم أسرى في واحدة من أقسى الصحاري في العالم».

التقيت فيسك بعدها في دمشق على هامش القمة العربية، ترافقه زوجته الإيرلندية، وتحدثنا عن كتابه البديع (ويلات وطن)، ثم عن كتابه الآخر (الحرب الكبرى من أجل الحضارة)، وعن دمشق وجمالها الظاهر والخفي. في كلا الكتابين روى فيسك، بأسلوبه الشيق الذي يجلب المتعة لقارئه، عن تغطياته لأحداث، وعن لقاءاته الفريدة بزعماء منطقة تمتد من فلسطين إلى جبال تورا بورا، أين التقى أسامة بن لادن، وقادة طالبان الذين قال فيهم قولته الشهيرة: «كيف للمدنية أن تترسخ بين أطفال كبروا في مخيمات لجوء في باكستان، ولم يروا من العالم إلا ما تسمح به أروقة مخيم يعشش فيه كل البؤس والفقر والجوع».

ذلك هو روبرت فيسك الذي مضى إلى الأبد، ولا أعتقد أن الزمن سينجب مثله، لأن التجارب لا تتكرر، والأحداث العظيمة كذلك